
الحلقة السادسة
عندما تدور الدنيا دورتها المعتادة باللأنسان كما تدور الأرض دورتها المعتادة حول الشمس فكلتا الدورتان هدفهما واحد وهو أستمرار الحياة , وعندما يأتى دورك فى هذه الدورة الدنيوية لتمر بنقطة ما على سطحها تسمى الأختيار ...
هذه الكلمة التى تشبه عنوان لموضوع طويل هذه الكلمة و التى تسطر بأسفلها العديد من الكلمات الناتجة عن مزيج من الأحاسيس والمشاعر المختلطة
بالخوف والحيرة ...
تريد الموت شنقا أم حرقا ؟!
هذا واحد مما أوقعت به الظروف أن يصبح أسيرا فى أحدى الحروب ...
فعليه الأختيار !!
تريد أن تنطق بكلمة حق لتـُرضى ضميرك فيرضى عنك الرحمن أم تدحضها خوفا على حياة أقرب الأقربين لقلبك ؟!
هذا واحد أجبروه على أن يشهد زورا ...
وعليه الأختيار !!
أن تودى بحياتك وتخاطر بها من أجل أنقاذ أبنك الوحيد وتعلم أنه الموت لك قبل أن تصل إليه أم تنتظر المصير المجهول له فتكسب نفسك وقد تخسره ؟!
هنا جاء دور ماهر فى هذه الدورة ليمر بنقطة الأختيار , وما أصعبه أختيار !!
فالأختيار هنا لن يقع على ماهر فقط بل يمتد ليضم لقبضته أبنه الوحيد ...
جلس ماهر يتابع مهندسى الكهرباء وهم يحاولون أحباط عمل هذه الدائرة الكهربية التى أوقعهم بها جاسر فينظر إلى العقيد حسام فينظر العقيد حسام لناجى فيمتثل ناجى للأمر الصامت ويتجه بدوره إلى النقيب ماهر , محاولا أن يخفف عنه بعضا من ألامه ويطمئنه بنجاح خطتهم وأقتراب لحظة الهجوم لأنقاذ باسم ..
فى جوف هذا المنزل يوجد طريقا كالبهو فى نهايته تقبع هذه الغرفة التى تبتلع بداخلها كل من جاسر وباسم وكل ما يمكن ذكره من كلمات
تصف الرعب والخوف والفزع بمعناهم !!
أضاء جاسر شمعة كى تبدد ظلام هذه الغرفة فظهر الضوء خافت الذى خـُيل لساكنى هذه الغرفة بأن هناك أشباحا تسبح فى أرجاء الغرفة مما أضاف رهبة على المكان وهلعا على وجه الطفل الصغير , تناول جاسر فى بطء صاروخه الكهربائى بعد أن أعده للعمل وأوصله بالكهرباء فدارت عجلته بسرعة جنونية وكأنها تود أن تسبق الأحداث لينتهى دورها فى مارثون الرعب
الذى يقيمه جاسر بالغرفة ...
قرب جاسر الصاروخ من أحد أطراف المنضدة الحديدية فتطايرت شظايا نارية لتملأ جو الغرفة وكأنه بدء الأحتفال الدموى , أحتفال بجريمة قتل جديدة ...
بدأ باسم يفقد صوابه وأبتلت الأرض من أسفله أثر رؤيته لهذه الأحداث الغريبة , أشتدت قبضة جاسر على الصاروخ الكهربائى وأمتلأت عيناه شرا
وأخذت تدور فى محجريها وكأن أصابه مسا و شرع فى الأقتراب من باسم الذى أفزعه صوت هذا الصاروخ , نظر إليه جاسر فى صمت فأندهش الطفل وجاوبه
بنظرة طفولية تكسوها معانى البراءة ويشوبها بعضا من الوهن واللأنكسار , رفع جاسر الصاروخ بزاوية مائلة من رقبة الطفل فنظر إليه باسم بعد أن غمر الفزع
وجهه , أزدادت ملامح جاسر وحشية و التى جسدت كلمة الشر بكل معانيه على هذا الوجه المشحوب وفجاءة مر جاسر بالصاروخ الكهربائى على رقبة الطفل فأنبثقت الدماء لتغطى وجه جاسر وترسم خطوطا وأشكالا جديدة على هذه الحوائط التى شهدت هذا الأحتفال الدموى أكثر من مرة , تدلت رأس الطفل على صدره فلم يعجب جاسر هذا المنظر وللمرة الثانية يقرب هذ1 الصاروخ من الرقبة المنحورة ليفصل به الرأس عن هذا الجسد الصغير و التى سقطت متدحرجة
لتستقر أسفل هذه المنضدة ...
فى هذه اللحظة أنشكح وجه العقيد حسام ونادى كل من ناجى وماهر حيث نجحت خطتهم وأحبط المهندسين عمل هذه الأسلاك المميتة وأشاح بوجهه
أيذانا ببدء لحظة الهجوم ...
نظر إليه ماهر وشبح أبتسامة حزينة تداعب ثغره , أتجه الجميع تجاه الباب يتقدمهم العقيد حسام والنقيب ماهر والملازم ناجى وما أن هموا بالأقتحام حتى فاجأهم جاسر بأضائته لأنوار منزله فظهرت هالة خافتة من الضوء حول المنزل فتوقف الجميع للحظات أيذاء هذا التصرف وهموا للمرة الثانية بالهجوم فسمعوا صوت أرتطام عنيف من الجهة الخلفية للمنزل فهرول الجميع مسرعين ظنا منهم أن جاسر قد ألقى بنفسه منتحرا !!
وما أن وصلوا حتى وجدوا كيسا ضخما من البلاستيك أغلقت فتحته برابطة محكمة من الحبال السميكة فجثا ماهر على ركبتيه محاولا فك هذه العقدة الغليظة ليرى مابداخله , أقترب منه ناجى يساعده فيما يفعل وما أن نجحا فى التخلص من هذه العقدة حتى أخرجا ما بداخل الكيس ...
أنها جثة باسم ورأسه مربوطة إلى صدره ومعها لفافة
- أشبه بكثير للافتة الدموية التى رأها ماهر على باب هذا المنزل –
مكتوبا فيها بالدماء :
( لقد أوفيت بوعدى معك أيها النقيب وسلمتك باسم بعد ساعتين كما وعدتك )
أحتضن ماهر هذا الجسد الممدد أرضا وأخذ فى تقبيل هذه الرأس الملطخة بالدماء بعد أن أمتزجت دماؤها بدموعه التى أزرفت منه أثر رؤيته لهذا المنظر الذى أعتصر قلبه حزنا , و هرول مسرعا قاصدا الباب الخشبى
لا يفكر سوى فى شئ واحد فقط
وهو جـــــــــاســـــــــر ......
وصل ماهر وهم بالدخول إلا أن جذب أنتباهه أثار دماء ترسم خطوات لأقدام
شخص ما ولاحظ أنها تأتى من داخل هذا المنزل فأيقن أنها خطوات جاسر وهذه هى دماء باسم , فقد ألقى جاسر بجثة الطفل خلف المنزل ليتجه الجميع إلى مصدر الأرتطام ويستغل هو فرصة أنشغال الجميع بجثة باسم وأخفت الأضواء
ظنا منه أن الفرصة ستسنح له بالهروب ...
وأقسم ماهر بأنه لن يرحمه ولن يفلت هذه المرة من قبضته ...
أخذ ماهر فى تتبع أثار الأقدام فوجد أن نهايتها عند بداية أحد الحقول التى تحيط بالمنزل , كان العقيد حسام والملازم ناجى يحاولان اللحاق به
وما أن وصلا إليه حتى خاطبه العقيد حسام محاولا أقناعه
بأن لا يعرض حياته للخطر و إلا يخوض هذه الحقول الموحشة وحده
و التى تزخر بثعابين سامة وخطرة فجاوبه ماهر بأقتحامه لهذه الحقول
لا يبالى بما يسمعه حتى أختفى بين أعواد الذرة وكذلك فعل ناجى الذى أحزنه مشهد هذا الطفل المنحور فذهب هو الأخر محاولا البحث عن هذا الكائن الدموى , وأختفا الأثنان بين الحقول ....
قصد ماهر طريقا بين الحقول وصار بين أعواد الذرة التى كانت تتراقص
بفعل الرياح فتخفيه عن الأعين ليسلك ناجى الطريق المعاكس
للذى كان يسير به ماهر دون قصد منه ...
واصل ناجى السير حتى أوقفه هذا المكان المهجور الذى وجد نفسه به بعد أن لاحظ أنه قد غادر الحقول وولى لها ظهره , وقف ناجى ليتأمل هذا المكان فوجد أن هناك دار خربة نصف مهدمة تحيط بها الأشجار على مسافات متباعدة منها , هذه الأشجار و التى توحى بأنها قضت قرون وقرون بهذا المكان الموحش بعد أن تشابكت فروعها لتـُهيأ للناظر وكأن هناك مارد ضخم قد تشابكت يداه
لتكًون مظلة ضخمة لهذا المكان و قد أحتجزت أضواء القمر الخافتة ....
كان بالقرب من هذه الدار الخربة وتحت هذه المظلة الطبيعية الضخمة التى كونتها فروع الأشجار ومع هذا الخيط الرفيع من ضوء القمر الذى تسلل من ثقب ضيق بهذه المظلة .. يوجد ما يثير الرعب لناجى , فقد لاحظ أن هناك شىء ما يتحرك
فى هذا الضوء الخافت .. أتسعت عيناه و أزداد تركيزه وأتضحت الرؤية ....
أنه كائن بشرى يرتدى معطفا داكن اللون , هذا المعطف قد رأه ناجى من قبل
هذا الرجل ليس بغريب عن ناجى أنه ....
أنه جـــــــاســــر !!
كان جاسر يحمل فى يداه اليمنى حيوانات وطيور مقيدة كان يجرها أرضا ويداه اليسرى كانت تحمل العديد من زجاجات ممتلئة بالدماء قد أحكم ربطهم سويا بهذه الرابطة الغليظة ليتمكن من حملهم , ترك جاسر هذه الأشياء على الأرض و خلع معطفه وسحب من جنبه سكينا وقربه من يداه اليمنى بعدها لاحظ ناجى الدماء وهى تنزف من ذراع جاسر الأيمن !!
عجب لذلك ولكنه واصل مشاهدته فوجده يخرج ورقة وبأداة ما تشبه كثيرا
لقلم بدائى كان يمسحها جاسر بجراحه راغبا الكتابة بهذا الحبر الدموى ...
فكتب بها على الورقة و كرر فعلته عدة مرات و ما أن أنتهى من ذلك حتى تناول سكينه مرة أخرى و قام بذبح جميع الحيوانات والطيور التى كانت معه
ليملأ بدمائهم زجاجات أخرى فارغة كانت بحوزته !!
ثم جثا على ركبتيه يتوسل لشخص يخاطبه وكأنه هو فقط الذى يراه !!
ويقدم له هذه الورقة التى سطرها بدمائه و أستمر فى توسلاته وأذلاله وكأنه يحدث أحدا أمامه يرجوه بأن يقبل منه هذه الورقة ...
وبالفعل ظهر أمامه مسخ دميم الخلقة له جسم أنسان ورأس لم يرى ناجى
فى حياته حيوان دميم بهذا الشكل كى يصفه به !! من هذا ؟!
ولمن تكون هذه الخلقة لغير الأنسان ؟!
يبدو أنه الــشــيــطــان !!
دارت الهواجس برأس ناجى ورأى جاسر وهو يقدم له القرابين
من الحيوانات المذبوحة والزجاجات المعبأة بالدماء !!
و ها هو جاسر يقدم له هذه الورقة فيقبلها منه هذا المسخ الدميم !!
الأن تأكد ناجى أنها ليست بهواجس أو تخاريف فى ليلة قمرية ..
أنه حقا الــشــيــطــان !!
و ضحك الــشــيــطــان بقهقهة كادت أن تفقد ناجى صوابه لكنه حاول أن يتماسك حتى لا يكتشف أحد أمره فتكون نهايته !!
وبعد أن قبل الورقة من جاسر أشار بأصبعه ليظهر عنه ظافره فى أتجاه أفقى فيوحى للناظر وكأن هناك جسد ممدد يرتفع فى الهواء !!
أنه يـُشير تجاه هذه الدار الخربة فيخرج منها رجال ونساء يقتربون من جاسر وكأنهم كانوا فى أنتظار قدومه .. و خلع الجميع ملابسهم تماما , و شرعوا فى رسم دائرة سحرية على الأرض ليدخلون بها و بالفعل سكروا جميعا ثم أنغمسوا فى الرقص والغناء بداخل الدائرة حتى أصابهم الأعياء فتساقطوا الواحد تلو الأخر أمام ذهول ناجى الذى شعر أن قدماه لا تسطيع أن تحمله
فسقط ليغيب بوعيه قليلا عن الأحداث ...
ومع الخيوط الأولى للفجر أستيقظ ناجى فهز رأسه فزعا عندما أسترجع الأحداث و شرع يتحسس جسده غير مصدق أنه مازال على قيد الحياة وهب واقفا ليتابع الأحداث ولكنه نظر فوجد جسد جاسر وهو مسجى على الأرض من الواضح أنه قد سقط فاقدا وعيه بعدما سكر الجميع ورقصوا هذا الرقص الشيطانى .
تقدم ناجى من جاسر و كان حوله هنا وهناك أجساد أخرى متناثرة على بطونها و فاتحة أذرعها عن أخرها وكأنهم كانوا فى محاولة لأحتضان الكرة الأرضية , هم بالتأكيد من كانوا يتراقصون معه داخل الدائرة السحرية , تقدم ليقبض عليه و ينهى هذه الدراما التى سببها لهم بعد أن لاحظ وجود علامة سحرية موحدة فى أجزاء حساسة جدا من أجسادهم فتأكد أنها ختم الشيطان وهى علامة لا تمحى أبدا .. وتذكر ماقد قرأه فى كتب السحر وتسخير الجان فأيقن أن ما رأه ما هو إلا طقوس - القداس الأسود - أو كما يطلقون عليه
( السحر الأسود ) !!!
وهذه الورقة التى كتبها جاسر بدمه ماهى إلا عقد حلف مع الشيطان
فلا فكاك له من هذا الحلف إلا بالموت !!
وقف ناجى للحظات مغلوبا على أمره لا يدرى ماذا يفعل مع هذا الرجل
وهو ملقى أرضا بهذا المنظر وهم أن يتقدم ثانية ليقبض عليه لكنه
شعر بوجود أصابع تغوص فى كتفه وتوقفه عن الحركة
فأرتجف قلبه وأرتعش جسده ....
تــألــيــف / مــحــمــد حــــســن عـبـد الجــابــر