Thursday, March 08, 2007




بسم الله الرحمن الرحيم


اللعبة المحظورة

دقت الساعة لتشير بأصبعيها إلى العاشرة مساء وهى مكشرة عن أنيابها , لقد مقتت هذا الرقم بالتحديد , هنا تـنبه محسن للساعة فأستشعر أنها العاشرة دون الألتفات إليها , يعزى الفضل فى ذلك لساعته البيولوجية التى تدق بداخله دوما فى هذا التوقيت , هذا التوقيت الممل والذى أصبح ينتظره يوميا ولكن الملل أهون عليه من جنون الوحدة .. هكذا ترك محسن الجريدة التى كان يتصفحها ذات الجريدة يشعر وأنه قد قرأها أمس وسيقرأها الغد , لا مفر له أذن سوى أن يتجه لخزانة ملابسه ويبدل هذه التى يرتديها بأخرى تصلح لمقابلة أصدقائه .. أتجه للمراّة ليرى أن كان تغير قد طرأ على ملامحه عن الساعات القليلة الماضية ولكن لا جديد , فقط صورة أضافية تم تخزينها فى ذاكرة المراّة فيتعدى رصيده بذلك ملايين الصور فى هذه الذاكرة الخفية .. خرج محسن من حجرته يقترب من غرفة والدته المسنة فيقبل يديها ويسألها أن كانت تريد شيئا يحضره لها قبل خروجه ولكنها أبتسمت وهى تدعو له بأن تنصلح أحواله .. هكذا غادر محسن منزله مطمئنا قاصدا المقهى الذى يجمعه على أصدقائه هذا المقهى الذى أصبح تراثهم , لقد حفرت على جدرانه نقوش ماضيهم ومازالوا ينسجون فى أركانه خيوط مستقبلهم .. هو واحد من أهم مقاهى مدينة الأسكندرية , مقهى (( الشباب الخريجين )) .. ما أن وطأت قدماه أرض المقهى حتى قدم له عم حمدى - صاحب المقهى - التحية المعتادة : نورت يا بشمهندس .. فرد محسن التحية و هو يمسح المكان بنظراته : منورة بشبابها الحلوين دول سأله محسن : حد من الشلة هنـــــــــ قاطعه شريف والذى كان يقبع فى أحد أركان المقهى : شرفت يا زعيم .. تعال جنبى هنا سد خانة – كان هذا الركن هو المقابل لمكانهم المعتاد نظرا لأنشغال الأخير - و كانت المقاعد متراصة بنظام يوحى للشباب الأجنبى وكأنها قاعة أجتماعات .. سحب محسن مقعدا وجلس بجانب شريف و تجاذبوا أطراف حديث وكانوا كقطبين متنافرين فكلما أقتربت أرائهم وكادت أن تتشابه يخالف أحدهم الأخر ليثبت تفوقه الثقافى واللغوى – هكذا حال الزعامة – يحتد النقاش ويلين و معه يزداد عدد الوافدين من باقى أعضاء الشلة حتى كانت العاشرة والنصف فأكتملت الشلة كالمعتاد و أمتلأت بهم المقاعد حول شريف ومحسن وهم يتابعونهم فى تركيز تام .. همس كريم لمصطفى مداعبا : لقد قلتها من قبل .. أنهم مولودين فوق رؤوس بعض !! قاطعهم كريم محاولا تهدئتهم : ماتشركونا معاكم يا شباب , هو الموضوع ايه بالظبط ؟! رد شريف فى أستياء : الزحمة يا سيدى .. تكدس السكان فى كل مكان !! كريم : و أيه الجديد يا شيرى فى كدة ؟ تدخل محسن فى هدوء : شريف يا حاج كريم عايز يحصر الشعب داخل أطار من اللون الأحمر .. مقتنع بفكرة تنظيم الأسرة هى سر تفتيت الكتلة السكانية .. وماذا عن الوضع الحالى ؟! تردد كريم فى الرد فجذب مصطفى أنتباههم بكلماته : أنا معك يا شريف فى أهمية تنظيم الأسرة ولكن هذا التخطيط و إ ن نجح تنفيذه معنا فسنجنى ثماره فى المستقبل .. أما فى حاضرنا هذا فالمصريون ينتظرون حلا سحريا يغيرهم دون عناء وهذا حالنا .. السلبية أبتسم محسن و قال : لقد أقتربت من الحل يا درش .. فهذا ما أفكر فيه حقا فسأله سيد – أحد أعضاء الشلة - : و ما هو ذا الحل يا فيلسوف زمانك ؟! رد محسن غير مباليا بسخريته : ماتيجوا نلعب لعبة ( أعـدة الوزراء ) سأكون فيها رئيس الوزراء و تصنيفكم سيكون أقرب مايكون لشهاداتكم الجامعية أو حسب ميولكم فكل واحد منكم يقوم بأختيار العمل الذى يود أن يكون وزيرا له و سأقوم بطرح الأفكار وكلا منكم يساهم فى الحل من خلال وزراته التى يــ مـ ثـ لـ هـا - نطقها محسن متقطعة أثر ملاحظته لنظرات التعجب فى أعين أصدقائه - فتسائل مندهشا : ماذا بكم ؟ ولماذا هذه النظرة والتى توحى بأنى عبد الناصر عندما فاجأهم بقرار تأميم القناة ؟! موافقون أم .. ؟؟ أنقضت لحظات قليلة فى صمت التفكير ثم وافقه البعض يغلبهم فضول التجربة وتردد قليلون ولكن رأى الأغلبية دائما يفرض نفسه على الجميع .. وهنا زمجر شريف – الذى تحمس للفكرة – وقال : بداية القصيدة .. لماذا أنت رئيس الوزراء ولا هى ديكتاتورية وخلاص ! محسن : وأذا منحتك اللقب فأين الحيثيات التى ستطرحها علينا للمداولة و أستطرد محسن دون أكتراث لغضب شريف المكظوم : و الأن فلنحُضر بعض الوريقات والأقلام اللازمة بعدها يأخذ كل منا مقعده حول هذه المنضدة لنحدد الأدوار ونبدأ الحوار .. ( تطوع أثنان من الشلة وذهبوا لشراء المطلوب هكذا قررت الشلة خوض المغامرة وماهى إلا معدة خاوية تبتلع الوقت فى جوفها فتشبع رغباتهم المكبوتة فى الحوار و النقاش , أختار ثمانية منهم أسماء لوزارات يرئسونها بينما حار الباقون فصنفهم محسن حسب أغراض القضية ) محسن : حسنا .. أنت يا أشرف ستمثل وزير المالية ( كان هذا سببا فى رسم أبتسامة عريضة على وجه أشرف ) , و أيهاب وزير النقل , أما أيمن فوزير الداخلية .. - هكذا أكتملت تقريبا أغلب الوزرات المطلوبة فى جلستهم ولكن يبقى عماد الذى لم يعرف دوره فى هذه الجلسة حتى الأن - فقال شريف فى مكر : وماذا عن عماد يا زعيم ؟ صمت محسن برهة ثم قال : ليس شرطا أن يكون وزيرا فلست ملزم بالواقعية التامة ولكن لابد من أختياره فى دور هام بهذه الجلسة , و حملق محسن فى وجه عماد و قال : سيقوم عماد بدور المفتى فسنحتاج إليه كثيرا فى هذا الأجتماع - دائما يترك عماد ذقنه غير حليقة و كان هذا وراء أختيار محسن له فى هذا الدور وبذلك تكون أكتملت كل العناصر المطلوبة تقريبا – و أخذ محسن بتسجيل هذه الأدوار وربطها بأسمائهم الحقيقية فى الورقة المستسلمة أمامه , و هم ببدء الجلسة ولكن عطله شريف معاندا : ها تشربوا أيه يا بشوات ؟ ثم أطلق قذيفة صوتية من حنجرته : سعيــــــــــــــــــــد – فأنتبه إليه سعيد و قد كان مندمجا مع مباراة جون سينا و جون مايكل حاله كحال باقى الشباب المتناثرون هنا وهناك يتابعون المصارعة فى شغف – 4 شاى بالقرنفل و 4 بالنعناع و 4 أمريكانى سادة يا برنس .. وعاد الصمت على هذه المنضدة حتى أنتبه الجميع لمحسن الجالس عند رأس طاولة المفاوضات متقمصا بذلك روح القائد ثم قال فى ثقة : مع تفاقم أعداد السكان المستمر نجد أنهم يتكتلون دوما فى مناطق كهذه التى نجتمع فيها الأن والسبب وراء ذلك موقعها المتميز فى وسط البلد فالأسواق خلفنا والمستشفيات حولنا و المواصلات إلى حد ما متوافرة بصورة تتيح لنا الأنتقال إلى حيث نشاء , كل هذه الميزات تدفع الشعب للتكدس فى مثل هذه المناطق رغم أنها أيضا السبب فى الأثمان الباهظة التى يطلبها أصحاب العقارات بها .. تدخل أيهاب – وزير النقل - : هذا هو المألوف يا ريس , الناس لايهمها الثمن بقدر ما يهمهم توافر الخدمات .. وزير القوى العاملة : و ماذا عن مفتقدى هذه الأثمان الباهظة سواء من الشباب أو غيرهم يا سيادة الوزير ؟ وزير النقل : أنت بذلك ترسى بسفينة الحديث على شواطئ البطالة .. رئيس الوزراء - فى وضع التركيز والتفكير - : مممممممممممم نظر الريس ليوسف – وزير الأسكان – فقال : ما رأيك فيما سمعت ؟ فرد وزير الأسكان : هنا يأتى دورى ياريس فلا بد من أستثمار الصحراء فى بناء مدن توفر السكن للشباب بأثمان زهيدة و صمت برهة ثم أستطرد قائلا : ولكن ستظل المشكلة المقابلة وهى عدم توافر الخدمات فى هذه المدن و بُعدها كل البعد عن جو الحضر وروح الحياة المدنية فجذب منه وزير الأستثمار أطراف الحديث : يجب أن نكون فريق عمل و كلا منا يتفانى فى تخصصه , فعند بناء هذه المدن يقوم وزير النقل بدوره فى أمداد خط من النقل العام لهذه المدن هكذا يظهر دور وزير الصحة من توفير الخدمات الصحية من مستشفيات وخلافه ولا نغفل دور وزير الداخلية فى توفير الأمن والأمان فى هذه المناطق الجديدة هذا بالتضامن مع باقى الوزارات التى لاغنى عنها فى تعمير مثل هذه المدن الجديدة .. أبتسم الريس أبتسامة نصر وقال مخاطبا وزير الأستثمار بعد أن دون هذه الملاحظة : جيد منك أيها الوزير لفت الأنتباه لمثل هذه النقطة المهمة .. حقا تكوين فريق عمل سيفيدنا كثيرا وقد يقودنا للحل الأمثل .. وزير الأسكان : أذا الحل يبدأ ببناء مدن جديدة على أطراف المدينة ثم يتسلمها فور الأنتهاء ( قافلة التعمير ) المكونة من عدد لا بأس به من الوزراء .. هكذا يفعل المقاول عند أتمام البناء فيقوم فريق من الكهربائين والنقاشين والنجارين .. إلخ بأتمام العمل من جميع جوانبه حتى يصلح عقاره للسكن ولكن مع الفرق الشاسع لأدورانا وهى خلق مدن بأكملها تصلح لأبتلاع أعداد ضخمة من الشباب , فليس من العقل أن يبنى لى والدى فيلا فى الصحرا ويقول لى مبتسما أذهب لتسكن بها !! ( من حسن الحظ أن أفراد اللعبة هم من الشباب ذوات الخبرات السياسية القليلة و إلا كانت كارثة أن يتفوه وزير الأسكان بهذه الكلمات !! ) كان الريس يتابعه فى تركيز وفور أنتهائه قال : لقد بدأ فعلا يا خالد أقصد يا سيادة الوزير رد خالد على محسن وقد أستشعر من نبرة صوته بأنه يُـقلل من شأنه : ماذا تقصد يا ريس ؟ هنا يتدخل سعيد و يخمد نار الحوار بتقديمه الطلبات وتوزيعها متراصة أمام السادة الوزراء كل حسب طلبه وينصرف مندهشا وهو يغمغم بكلمات ترسم على وجهه علامات أستفهام فيهمس فى خفوت .. ررررررريــــ ـ ـ ـ ـــس أيه ؟ و عاود محسن حديثه متداركا الموقف وهو يعلم أن أجابته ليست بالمطلوبة لدى خالد : هذه المدن موجودة بالفعل ولعل أبرزها مدن مبارك لأسكان الشباب , هذه المدن كما تقول يا سيادة الوزير تشبه عمارة لمقاول تفنن فى أتمام الصورة الخارجية لها ولكنه أهمل فى كثير من الخدمات الأساسية التى تجعلها مأهولة بالسكان كالنجارة والنقاشة والكهرباء ... إلخ , فأصبحت مهجورة منهم ! هذه المدن تميزها وحداتها السكنية الجيدة والمساحات الخضراء المحيطة بها و النظافة المسيطرة على هذه المدن علاوة على ذلك الهدوء والناجم عن قلة بل ندرة المقيمين بها !! فى أول ظهور لوزير التعليم يقول : أذا تكمن المشكلة هنا فى عدم توافر الخدمات الصحية الكافية ومن المؤكد شبح المواصلات يحول دون الأقنراب من هذه المدن للأقامة بها . الريس : بالظبط .. و أيضا عدم توافر المدارس الحكومية تعطى الفرصة لظهور المدارس الخاصة والتى بدورها ستستغل الفرصة و تبتذ المقيمين بهذه المدن .. وهنا لا نغفل دورك الهام يا سيادة الوزير .. فظهر وزير المالية مشاركا : الأن نتحدث كفريق عمل واحد وليحدد كلا من الجالسين دوره تجاه هذه المدن .. و لدى فكرة بصدد هذا الموضوع سيساعدنى فيها كلا من وزير الصناعة و التجارة و وزير الأستثمار وكذلك وزير القوى العاملة .. وزير الصناعة والتجارة : وما هذه الفكرة يا سيادة الوزير ؟ فأستطرد الأول حديثه : كما ذكرنا فى بداية جلستنا هناك من لا يملكون ثمن الأيجار لمثل هذه الوحدات السكنية بهذه المدن فماذا عنهم ؟؟ قاطعه وزير الداخلية : هذه المدن يا سيادة الوزير مخصصة لمحدودى الدخل , كنت أظنك ستتحدث عن بيروقراطية النظام القائم على تسليم الوحدات السكنية وما يفتعل من عراقيل يطرحها أمام الشباب فرد وزير المالية فى قليل من الغضب : أذن فلنسأل بنك الأسكان والتعمير عن ثمن الأيجار والمخصص لمحدودى الدخل كما تدعى , ومنهم أيضا نتعلم تفسيرا لمعنى كلمة بيروقراطية .. هنا تدخل الريس : عندك حق .. هذه نقطة يجب أن نضعها فى خطتنا فأسعار أيجار الوحدات السكنية فى هذه المدن يضاهى فى ثمنه إلى حد ما الأيجار الحديث وهذا بالتأكيد واحدة من أخطر أسباب هجرة هذه المدن - ولعدم الأحراج تجاهل عمدا التحدث حول منطوق البيروقراطية - , ولكن ماذا عن فكرتك التى لم تطرح بعد أيها الوزير ؟ فتجاوب وزير المالية مع كلماته وقال : ياريس يجب أن ننشئ مصانع بالقرب من هذه المدن أو اذا أصابتكم كلمة مصانع بالتضخم الفكرى لخطة التنمية كما ألاحظ عليكم , فلنجعلها مشروعات ولكن مشروعات على مستوى عال نقوم بأمدادها بالأموال ومن خلالها يعمل الشباب ويتم خصم قدر من راتبه فى هذه المشروعات و يخصص لدفع أيجار هذه الوحدات السكنية وبذلك نضمن أتجاه الشباب لهذه المدن , فسيكون العمل بالقرب من محل سكنهم وأن أثبت مكتب التحريات - الذى يتولى مهمة تحديد الأولويات لشغل هذه الوحدات السكنية - عدم حاجة البعض لهذا العمل فلديهم عملهم الذى يوفر لهم الراتب المناسب هنا سيظهر دور وزير النقل والموصلات للتغلب على العائق الأكبر .. وعلى الفور شارك وزير النقل فى الحوار وقال : نعم سأمد خط مواصلات للنقل العام بل خطوط مواصلات تربط هذه المدن بكل المناطق فى محافظاتها حتى يسهل الأنتقال ولا تمثل على المقيمين بها أعباء الوقت والتكلفة , و أفكر أيضا فى أنشاء كبارى أساسية فى كل محافظة ستكون ممهدة لمرور المقطورات و سيارات النقل وخلافه من العربات الضخمة فقط التى تعرقل حركة المرور وسيكون هناك واحدا بالعاصمة مخصصا لسير موكب السيد - رئيس الجمهورية - و كبار المسئولين لتجنب مايقال دوما حول ما تسببه هذه المسيرات من أزمة وسط البلد .. وتدخل وزير الصحة : و أنا سأتولى بنفسى متابعة توفير المستشفيات وغيرها من الخدمات الصحية اللازمة . تمتم محسن بصوت مسموع وهو زائغ العينين : ماذا لو كانت هذه أعدة وزرا بحق وحقيق وليست مجرد أحلام يقظة لشباب محبطهنا أوقظه أيمن من شروده وقال : أيه يا زعيم لازم تطلعنا من المود .. أهو بنتسلى هى يعنى الأحلام بفلوس أخذ محسن يلملم بعضه ليدخل فى قالب القائد مرة أخرى ونظر لأيمن و قال : وماذا عن رأيك يا حامى الحماة فى خطة التعمير ؟؟ فرد أيمن - وزير الداخلية - : وهى محتاجة لرأى يا ريس .. سأكثف الأمن فى هذه المدن الجديدة حتى لا تتعرض للسرقات أو لا تكون منبعا لتداول المخدرات لأنها بعيدة عن أعين الرقابة الأمنية .. كان محسن يسمعه والنظرات تنبعث من عينيه فى تفقد للجالسين حتى أصابت أحداها عماد – المفتى – فقال له فى جدية تامة - على عكس ما يضمره - : هل أجهزتها يا عماد ؟ نظر عماد لمحسن وقد تقاربا حاجبيه وقال متعجبا : هى أيه يا ريس ؟! فأندهش الريس وقال : فتوى تدين من يتقاعس ولا يذهب للأقامة بهذه المدن .. فرد عماد متثعلبا : حاضر يا ريس على أخر الجلسة ستكون جاهزة تنبهت حواس وزير الشباب لهذه الكلمات وقال لرئيس الوزراء : ياريس .. كثير من الشباب فقط سمع أسم هذه المدن بل منهم من لا يدرى بوجودها من الأساس ولا يعرف أماكنها ولا أمكاناتها فكيف نبذل كل هذه الجهود ودعامات الخطة يجهلون بأمرها ؟! أنتبه الريس لكلماته وقال : أنت محق فى ذلك , فتجاهل الشباب لما يدور حولهم من أحداث بسبب عدم ثقتهم فى أحد ولا فى التغيير من أبرز أسباب تأخر المجتمعات – و صمت الريس وغرق فى التفكير ثم لمعت عيناه للفكرة التى جالت بخاطره – وقال فى ثقة و صمود : هـتـلـر فضحك الجميع و ألقوه بنظرات السخرية وقال أحدهم : خير يا محسن .. المرحوم كان عزيز عليك أوى كدة ( لا يبالى محسن كعادته بالسخرية التى توجه إليه فهو دوما يقصد بأن لا تمر كلماته مرور الكرام ) و قال : فى واحدة من القصص التى قرأتها و كانت لدكتور نبيل فاروق , قد تناولت أحداثا من حياة هتلر الزعيم النازى وعلاقته بوزرائه و كان أكثر ما جذبنى فيها هى أهتمامه بوزير الدعاية الذى كان سببا وراء هذا النجاح الباهر لهتلر و تقدم دولته , هذا الأسلوب الذى أتبعه وزيره و يسير على نهجه الأن جميع الشعوب , ولا أحد ينكر دور الدعاية وأهميتها , سأكررها الأن .. سأبحث مجددا عن وزير للبروباجندا سأبحث عن جوزيف جوبلز أخر - فيروس البلاهة قد أصاب الحاضرين وهم يحاولون ترتيب هذه الكلمات التى وقعت على مسامعهم حتى تمكن وزير الشباب من ترتيب كلماته - وقال : هذا يعنى أغراق شاشات التلفزيون بفيض من الأعلانات حول هذه المدن وتطويرها و دورها الفعال فى مساعدة الشباب وحل الأزمة السكانية ؟ فأجاب الريس : بل وفى الصحف والمجلات أيضا . عقب وزير الأسكان مخاطبا الريس : هذا بخصوص مدينة مبارك لأسكان الشباب ياريس , ولكن ماذا عن المجمعات السكنية الأخرى المعزولة كمساكن الظباط وخلافه من هذا القبيل .. أليس لها نصيب من حوارنا هذا ؟! عقب الريس قائلا : ومن قال أن هذه الخطة التى وضعناها وفريق التعمير هذا فقط من أجل مدن أسكان الشباب ؟! هذه الخـُطة كورقة أمتحان للثانوية العامة هى واحدة لكل الطلاب فنفس الخطة تنطبق على جميع المدن , و أنت على حق يا سيادة الوزير فلنسجل هذه الملاحظات حتى نقوم بترتيب المدن والمجمعات السكنية فى جدول التنفيذ فيما بعد .. وهنا صفق شريف متظاهرا بتحية محسن وقال : لا والله برافو يا ريس .. مجهودات عظيمة مشكور عليها .. و لكن لست وحدك مثقف الجلسة , أنا كمان ليا قراءات و أحب أن أشارك بأفكارها محسن : أتفضل يا وزير البحث العلمى .. أثرى الجلسة بأفكارك .. هم شريف بالحديث ولكن فى كِـبر واضح : لقد قرأت ذات مرة عن لسان ملك الفضاء ( فاروق الباز ) أن لديه مشروع ( ممر التنمية ) وقد عرضه من قبل على الرئيس الراحل السادات وجدد طرحه منذ عام تقريبا وقد لاقى قبولا فى المرتين وهذا الممر سيساهم فى نقل حوالى - و أمسك بالورقة التى أمامه فنظر بها حتى يتذكر ما قد دونه - 20 مليون نسمة من دلتا النهر إلى جانبى هذا الممر الممتد من الشمال عند العلمين إلى الجنوب حتى الحدود السودانية .. هل أنت مدرك لهذا الرقم ؟؟ فرد الريس فى حيرة : هذا الرقم حقا مهول وسيساهم بالطبع فى حل الأزمة السكانية .. ولكن كم ستكون تكلفة هذا المشروع الضخم ؟ رد شريف محبطا الجميع وبدون تمهيد : 24 مليار دولار ياريس هنا نظر محسن - كاظما سخريته حتى لا تسود الفوضى - لوزير المالية و سأله : أيه رأيك أيها الممول .. أقصد أيها الوزير ؟! أرتجف الوزير ونظر إلى السقف متجاهلا ما سمعه وكأن محسن يسأل عمن سيدفع ثمن المشاريب .. فأستدار محسن ثانية لشريف مجاوبا أياه : فلنؤجل هذه الخطة إلى حين الأنتهاء من خطتنا المعقولة و أذا لم تؤثر خطتنا - الخاصة بأعمار هذه المدن الموجودة بالفعل وينقصها فقط بعض الأهتمامات – فى حل الأزمة السكانية سنبدأ فى دراسة مشروع ( ممر التنمية ) , و أستطرد باسما : على الأقل نكون جمعنا جزء من المبلغ المطلوب رد شريف غاضبا : اللى تشوفه يا ريس عرف الفزع طريقه لوجه محسن وهو يقول فى توتر : أيه اللى أنا شايفه دة !! - زوووم يتيح للقارئ تخيل هذا المشهد .. الشباب حولهم يتركون مقاعدهم مهرولين مسرعين متخبطين فى كل الأتجهات يحاولون الهرب أثر رؤيتهم توقف سيارة الشرطة بالقرب من المقهى مطوحين فى الهواء لفافات التبغ المنتفخة أنتفاخ يفسر سر رائحة الحشيش التى تفوح فى أجواء المقهى , تعجب عم حمدى من هذه الحملة التفتيشية المفاجأة فمنذ فترة بعيدة أنقطعت هذه الحملات عن المنطقة .. يبدو أنه ظابط جديد يريد أثبات كفائته لدى رؤسائه يا لسوء الحظ ( هكذا همس عم حمدى محدثا نفسه ) أقترب ظابط المباحث من المقهى والذى أصبح خاليا من الزبائن عدا شلة محسن فدنا منهم وهم يجلسون فى حالة من الذهول يتابعونه وهو يقترب منهم فى تؤدة وقد شلت المفاجأة حركتهم و جمدت أطرافهم .. يزيد الطين بلة أن يقعوا فى مثل هذا الموقف فى شهر نوفمبر من 2006 وكلنا يعلم أهمية شهر نوفمبر وديسمبر بالنسبة للضباط معدومى الضمير هاهو يستقر أمام منتصف المنضدة ينظر عن يمينه و عن شماله ثم يلملم الأوراق التى أمامهم , يفنطها فى يديه وهو يلقيها بنظراته الثاقبة فيبتسم فى نشوة .. فرحته كفرحة صقر منقض على فريسته .. هب الجميع واقفا و حاول محسن أن يتظاهر بالتماسك ويخفى القشعريرة التى أصابته ومازال تأثيرها مستمر ولكنه فشل وقال فى أرتباك : خير يا حضرة النقيب أحنا مشتبه فينا ولا أيه .. دة حتى كلنا شباب زى الورد ومعانا شهادات جامعية و قضينا الخدمة العسكرية حتى السجاير بطلناها يا باشا أبتسم النقيب أبتسامة مخيفة وجاوبه فى كل وقار : شباب زى الورد زيكوا يتجمهروا فى ساعة متأخرة وبحوذتهم هذه المستندات يؤكد أنكم تنتمون لأحدى الجماعات المتطرفة فى واحدة من أهم أجتماعتكم , وطبقا لقانون الطوارئ الذى يقنن مثل هذه التجمعات سوف نكمل أجتماعكم فى ضيافتى اليوم نظر شريف لمحسن بوجه شاحب وقال فى يأس : منك لله يا شيخ أرتبك الجميع وأصابتهم حالة هلع أدت إلى فقدهم القدرة على التركيز , أشار النقيب لمن معه بالقبض عليهم لوضعهم فى صندوق السيارة المشئومة و هنا أنتفض وزير الداخلية - أقصد أيمن - فى غضب وهو يمنع المخبر عن أداء عمله وصرخ فى النقيب موبخا : تقبض على مين يا حضرة النقيب ؟! وجماعة أيه وتنظيم أيه اللى بتتكلم عنه !! نظر إليه النقيب وقد رفع حاجبا و أسقط أخر وقال فى غضب : وسيادتك مين بقى أن شاء الله ؟؟ وقف أيمن مختالا كالطاووس وهو يجاوبه : أنا بن العميد أحمد بسطاوى .. عميد بأمن الدولة أرتبك النقيب وكاد أن يتصبب عرقا ولكنه أمتص أرتباكه وبخ سؤاله كى يتأكد من صدق كلام أيمن وأنه لا يدعى ما يقول و طلب منه ما يثبت قوله فطلب منه أيمن أن ينتظر حتى يجرى مكالمة بوالده وبالفعل أخرج هاتفه و أمام نظرات الأعجاب من أفراد شلته والثقة التى منحها لهم دار حوار قصير على الهاتف تخلله سؤالين للنقيب - ما أسمك و أى قسم تابع له - وأنتهت المكالمة فى دقائق قليلة يعقبها دقائق أقل تلقى فيها النقيب مكالمة هاتفية كانت ترتعد فيها فرائصه , وما أن أنتهت المكالمة حتى أعتذر الضابط لأيمن و أصدقائه عما حدث وعن سوء ظنه بهم و أنصرف يودعهم بأبتسامة ذابلة حتى أستقل سيارة الشرطة التى أنطلقت تسابق الريح .. هنا نظر محسن لأيمن بعد أن أطمئن قلبه

وقال مداعبا أياه :
كان أختيار موفق أيها الوزير ..


بـقـلـم / مــحــمـد حــــســن عـبـد الجــابـــر
T_OF_ALEX@HOTMAIL.COM

0 Comments:

Post a Comment

<< Home