Monday, January 22, 2007





الحلقة الخامسة

كان ماهر فى موقف لا يـُحسد عليه كما يقولون , فلم يتحمل ناجى هذا المشهد الفظ فتكوم أرضا ليترك ماهر وحده فى هذه المذبحة الفريدة من نوعها , مذبحة ليست بدموية كما نعرف عن المذابح !!
ولكنها جريمة أبادة بشرية جماعية , نظر ماهر ليجد جميع رجال الأمن ممن حضروا معه من رجال الشرطة أو الأمن المركزى على السواء وقد
كسوا الأرض بأجسادهم !!
سقط الجميع على ظهورهم مفتوحى الأعين وهم ينظرون إلى لا شئ يرمقون ماوراء الطبيعة بعد أن أتخذت أياديهم مواضع غريبة من الواضح أنها قد مرت بمراحل عديدة من التشنجات ...
ظل ماهر يجوب بناظريه فى المكان فى محاولة لأكتشاف ماحدث وفجاءة ...
ثبت بناظريه على هذا الباب الخشبى بعد أن أمتلأ بالثقوب أثر الطلقات النارية التى أخترقته ليجد لافتة قد وضعها من يقبع خلف هذا الباب منقوشا عليها بالدماء
- بعد أن قاربت السطور على أن تختفى معالمها وتختلط ببعضها البعض من أثر الدماء - هذه الكلمات :
( لقد أصابت لعنتى هؤلاء الحمقى الذين ظنوا أنهم يستطيعون أقتحام منزلى وأنا بداخله , وستظل لعنتى تلحق بكل من يفكر المساس بهذا الباب أو مجرد الأقتراب منه وسيكون مصيره الموت المحقق فى ثوان معدودة ...
أذا كنت من يهاب الموت ويهوى الحياة أيها النقيب الشجاع فخذ هذا الأبله الذى حضر معك وظن أنه نجح فى مراقبتى طوال هذه المدة وأبتعد فورا قبل أن تــُصيبك لعنتى , فليس من الشجاعة أن تقتحم منزلى بل أنه من الحمق أن ترى مصير من سبقوك لهذه الفعلة وتـُصر على أن تلحق بهم , أما باسم يا سيادة النقيب النشيط فسأسلمه لك بعد مرور ساعتان من الأن ...

الأمضاء / جــاســر )

قرأ ماهر هذه السطور بعينان جاحظتان محاولا أنهاء قراءته قبل أن تختلط السطور ببعضها البعض مكونة مزيجا دمويا مبهم ...
وما أن أنتهى من قراءته حتى تشتت تركيزه وشُـل تفكيره ونسى تماما أنه رجل شرطة وأخذ يفكر بقلب والد يسعى فى أنقاذ ولده لذلك قرر الأتصال فورا بالعقيد حسام بعد أن طلب منه تقصى السرعة فى الحضور وأن يتبعه أسطولا
بريا من عربات الأسعاف !!
أندهش العقيد حسام من أجراء هذه المكالمة الهاتفية الغامضة ولكن أقنعه ماهر أن مجرد حضوره سيفسر له سر هذا الغموض , مضى وقتا حتى أستعاد ناجى نشاطه بمساعدة النقيب ماهر و مضى الأثنان سويا يحاولان العثور على أحدا
- ممن شهد هذه المجزرة والتى لم تسفر عن قطرة دماء واحدة –
مازال على قيد الحياة ولكنهم كانوا يضيعون وقتهم هباء , فهم عاجزين عن وضع تفسير لما حدث وأخيرا وصل العقيد حسام بصحبة لا بأس بها من رجال شرطة أخرين لا يعرف أحد ماذا سيكون مصيرهم , ومجموعة من عربات الأسعاف تمنى الجميع وقتها بأن لا يظهر أى مريض فى هذه الظروف حيث أنه سيعجز عن العثور على عربة أسعاف لتقله ...
فها هى جميعها قابعة فى صفوف أمام هذا المنزل المشئوم و ما أن نزل الأطباء يتفقدون المرضى عفوا أقصد ( الموتى ) فى ذهول تام حتى أقروا جميعا بأن الموت تم جماعى فى نفس اللحظة مع تفاوت طفيف جدا بينهم ...
ولكنه تم فى لحظات تكاد لا تذكر !!
مع الأخذ فى الاعتبار بأنه لا يوجد أى أثار مقاومة أو أفتراس من قبل
هجوم مفاجئ قد تعرضوا له !!
فى ذات اللحظة وعلى الجانب الأخر وداخل هذا المنزل بالتحديد كان جاسر ( بعد أن تم التعرف على أسمه من اللافتة الدموية التى تركها ) يقف بداخل غرفة حوائطها مطلية بطلاء أسود قاتم , مـُطعمة بعديد من البقع التى ترسم أشكالا عشوائية أثر تلطيخ بالدماء , أما سقف الغرفة فلم يختلف كثيرا فكان مطليا باللون الأحمر ليتم التناسق بين أرجاء الغرفة وكأنها معبرا للجحيم ...
هناك فى ركن بعيد من أركان الغرفة كانت توجد منضدة حديدية صدأة وكأنها تبتعد تقززا من أفعال هذا الكائن البشرى الغريب , وقف جاسر بمواجهتها ليتابع ما تحمله فوقها هذه المنضدة فكان هناك العديد من الأسلحة الفتاكة فهذه زجاجة تحوى بداخلها محلول حمض الكبريتيك ( ماء النار ) الكاوى وهذه أسلحة بيضاء بمختلف أنواعها وهذه أسياخ حديدية قد ظهر على طرفها أثر تسخين شديد بدرجات حرارة مرتفعة وهذا صاروخ كهربائى ذات العجلة الدائرية المميتة ( وهذا أكثر ما أثار أنتباه جاسر) , وكانت هناك رائحة نتنة تفوح بها أرجاء هذه الغرفة أقرب كثيرا لرائحة الموت !!
ألتفت جاسر ليترك ظهره وكأنه رقيبا على هذه المنضدة وأخذ ينظر فى قسوة لباسم وهو مكتوف الأيدى والأرجل بعد أن ثبته جاسر فى أحد جوانب الغرفة بطريقته الخاصة فى مواجهة هذه المنضدة ليتمكن من رؤية ماعليها من أدوات التعذيب فيزداد هلعه ويزداد هو لذة برؤيته لأثار الرعب على وجه الطفل البرىء !!
وأخذ يخاطبه وكأنه رجل متزن أمامه يعنفه :
أيظن والدك الأحمق أنه بأمكانه أنقاذك من قبضتى ؟!
ألم أنصحه بالأبتعاد ؟! هاهو الأن يـُعيد نفس المشهد السابق ويحاصر منزلى ثانية,
الأن فقط سأنهى هذا التجمع المزعج حول منزلى وستبدأ اللحظات الحاسمة .. ( ودخل فى نوبة من القهقهة التى كانت تجلجل بصداها فى هذه الغرفة المعزولة عن العالم الخارجى , وكان باسم يرتجف رعبا من أثر هذا الصوت البهيمى وهذه التصرفات الحيوانية )
وأستطرد قائلا : سأرسلك إلى والدك بعد قليل ...
وعاودته الأبتسامة المخيفة وقد ظن باسم أنه ولد بها !
وأرتسمت ملامح الفرحة على شفتا الطفل الذى لم يفهم شىء مما قاله جاسر سوى الجملة الأخيرة وهى سأرسلك إلى والدك ....
تحرك جاسر موليا ظهره لباسم لينظر ثانية لهذه المنضدة وماتحمله فوقها من أدوات تـُثير شهوته العنفوانية وأخذ يلقيها بنظرات عشوائية حتى أستقر أخيرا بناظريه على هذا الصاروخ الكهربائى الذى يستخدم فى فصل القطع الحديدية عن بعضها البعض هاهو الأن جاء دوره ليفصل ولكن ليس قطع حديدية
ولكن لفصل ...
تناوله جاسر وصار بخطى ثابتة تجاه باسم الذى لا يفطن على الأطلاق ماذا يحمل جاسر وماذا سيفعل بهذا الشىء الذى تقبض عليه يداه !!
وبينما هو يـُعد هذا الصاروخ الكهربائى للعمل ...
كان العقيد حسام والنقيب ماهر والملازم ناجى يقفون فى ذهول بعد أن
أذهبت المفاجأة بعقولهم !!
لقد أدلى الأطباء بتقريرهم بأن الموت كان بالفعل جماعى دون أن يتعرض لهؤلاء الرجال أحد ولكنهم تعرضوا لأثر صاعقة كهربائية أودت بحياتهم على الفور !!
تعجب الثلاثة من هذا التقرير الطبى ولكن ما أكد لهم ذلك هو أجماع كافة الأطباء الحاضرين على صحة هذا التقرير ...
لم يحتمل العقيد حسام الأنتظار وفى ظل دهشة ماهر وناجى التى أكتست ملامحهم أجرى العقيد حسام مكالمة هاتفية عاجلة طلب فيها بأرسال مجموعة من مهندسى الكهرباء فورا ...
كان ماهر يراقب عقارب الساعة بأستمرار وجملة
( أما باسم فسأسلمه لك بعد مرور ساعتان ) لم تفارق عقله ومر الوقت فى بطء شديد وكأن الزمن قد توقف بعجلته عند هذه اللحظة فجملة
- سأسلمه لك بعد ساعتان - تخفى بين ثناياها الكثير من الغموض والحيرة فظن ماهر أن جاسر سيسلمه له حقا ولكنه تذكر مشهد الطفلتين هدى وياسمين فعاود الرعب ليملأ فؤاده ثانية ويـُحار مما قصده جاسر فأنعكس أحساسه تماما وأخذ ينظر فى ساعته كل دقيقة وشعر بأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة مع مرور كل دقيقة وهى تذهب بلا عودة وود لو لم تمضى الساعتان التى ذكرها جاسر وظل الثلاثة ماكثون فى صمت ينتظرون طوق النجاة فبوصول مهندسى الكهرباء سيتم كشف سر هذه الصاعقة ليتمكنوا من أقتحام هذا المنزل وأنقاذ باسم قبل أن يقضى الأمر ....
ولحسن الحظ يقطع هذا الصمت الرهيب صوت سيارات الشرطة وهى تحمل معها الأمل المتبقى , أستوقف العقيد حسام السيارات التى ألتف حولها كلا من ماهر وناجى وأخذا فى تفحص الحاضرين من مهندسى الكهرباء الذين نزلوا وسط نظرات الجميع و توجهوا بصحبة العقيد حسام إلى هذا المنزل بعد أن شاهدوا جثث الضحايا وسارع إلى ذهنهم أنهم قد تعرضوا لأثر صاعقة كهربائية وأخذوا يتفحصون المكان جيدا وينبشون الأرض من حولهم لعلهم يجدوا ما يهدى
ضالتهم , وبالفعل وجد أحدهم مجموعة من الأسلاك النحاسية العارية فصرخ فيهم مناديا حتى هرولوا مسرعين يساعدوه فى تتبع هذه الأسلاك فوجدوا نهايتها عند هذا المنزل و أكدوا بأن نهاية هذه الأسلاك مدفونة أسفل المنزل ولها أطراف أخرى بداخل المنزل وأستنتجوا بأن هذه الأطراف موصلة بأجهزة كهربائية قد طـُعـم بها هذا الباب من الداخل فبمجرد تحريك هذا الباب من موضعه ولو لحركة بسيطة تعمل هذه الأجهزة لتولد شحنات كهربائية ذات جهود مرتفعة جدا تتسبب فى أنتقال
الألكترونات عبر هذه الأسلاك المزروعة تحت أرجلهم لترسم دائرة كهربائية يصعق كل من بداخلها !!!
لم يعقب أحدا على ما سمعوه ولكن أستكمل أحد المهندسين كلامه قائلا لا بد من البحث عن باقى هذه الأسلاك وأكتشاف إلى أين تكون حدودها حتى يتم أعدامها جميعا قبل أن يفتح هذا المخبول ( جاسر) الباب فنـُصعق جميعا وينتهى
مصيرنا كمن سبقونا هنا !!
همس ناجى قائلا : ولكنه دخل أمامى من هذا الباب دون أنه يلحقه أى ضرر !!
جاوبه أحد المهندسين : من السهل أبطال مفعول هذه الأجهزة من وحدات التحكم من الداخل وهو مايفعله جاسر قبل مغادرته للمنزل وبمجرد دخوله مرة أخرى من هذا الباب يعاود ضبطها مرة أخرى حتى يؤمن نفسه تماما ضد أى هجوم والأن هيا لنستخرج باقى الأسلاك المزروعة بهذه المنطقة كى نفسد عليه خطته العبقرية ...
لم يتمالك ماهر أعصابه وصرخ فى الجميع : أتريدوننى أنتظر حتى تنتهوا من أكتشاف باقى الأسلاك وأستلم أبنى الوحيد لأضيفه لقائمة ضحايا اليوم ؟!
من المؤكد أنكم تمزحون !!
قاطعه العقيد حسام : هدئ من روعك يا ماهر وحاول أن تتمالك أعصابك فكما ترى نحن بخارج المنزل ولكننا حبيسون بحلقة الموت التى أحاطنا بها هذا اللعين ولا بد من التحلى بالصبر كى نتخلص منها ونستطيع أقتحام المنزل وأنقاذ باسم ...
نظر إليه ماهر نظرة تـُحمله كل معانى الذنب فيما يحدث لأبنه الوحيد وذهب ليجلس بعيدا وهو يدفن وجهه فى يداه المتشابكة وينحنى برأسه لأسفل منتظرا ما ستسفر عنه الدقائق العصيبة القادمة ......


تــألــيــف / مــحــمــد حــــســن عـبـد الجــابــر


0 Comments:

Post a Comment

<< Home