حروب البلطجية أثبتت كفاءة الداخلية !
المشهد الأول : هبط الليل حاملا على جناحيه سكون الظلام لا يشوبه سوى حركة المارة فى أنتظام وهم عائدون من أعمالهم حاملون أكياسا صغيرة تحوى وجبات العشاء التى ينتظرها أطفالهم لتناولها قبل أن يغطون فى نوم عميق .. هدوء الموت يخيم حول المكان و أذا كنت من ذوى الحاسة السادسة لتنبأت بأنه الهدوء الذى يسبق العاصفة , يشاء القدر أن أقضى هذه الليلة فى منزلى وهى ليلة الجمعة من شهر أبريل , أقبع فى حجرتى أمام جهاز الحاسوب أنجز بعض أعمالى ..
الساعة الأن الواحدة والنصف صباحا و كل شئ على مايرام .
المشهد الثانى : فى لحظة خاطفة أخترق هذا الهدوء صوت قادم من أقصى اليمين ولكنه
لا يقترب فقط يكتفى بالتمركز فى مكانه .. الصوت كان لشاب يصرخ فى نغم حماسى :
مابقاش راجل لو سيبتك !!
لم أبالى ولن أهتم بمثل هذه المهاترات فقط حدثت نفسى فى صوت خافت ..
كلها بوقبوق ( كلامنجية يعنى ) .
أستمررت فى عملى مع وجود علاقة طردية بين تزايد الاصوات القادمة من اليمين والقادمة من اليسار .. ثمة حدث شتت تركيزى و لكنه أمر أعتدنا عليه كل فترة زمنية ليست بطويلة نشوب مثل هذه الأشتباكات ولكن سرعان ما يتدخل – ولاد الحلال –
و ينفض مولد الغضب ..
المشهد الثالث : أصُـر على تواصلى مع جهاز الحاسوب رغم تداخل الأصوات اليمينية واليسارية مما يؤكد أشتباك الجبهتان .. تعالت الأصوات .. أرتفعت الصيحات ..
أستيقظ النوام .. أضُيئت الأ نوار و أكتظت الشرفات ..
مازلت متمسكا بموقفى فلم أتزحزح عن مقعدى فحتى هذه اللحظة لا يحدث أى جديد و هذا ما أعتدنا عليه , ومازلت أأوكد - ولاد الحلال فى الطريق –
المشهد الرابع : مر الوقت ويزداد الوضع سوءا فدب فى أعماقى شعور بأن جهاز الحاسوب لو به أوبشن أستشعار الحدث لصرخ فى وجهى يجبرنى على الذهاب لتفقد الأحوال خارج غرفتى والتى تطل بنوافذها على أرض المعركة .. أخيرا تركت ما أنشغلت بعمله و بدأت أتابع الوضع ليس شغفا فى متابعة الأحداث و لكن أنشغالا بتسلسل الأمور فالصرخات وصلت للحد الكافى لأيقافى عن العمل ليست مجرد صرخات ولكنها أستغاثات ممكن وقعوا فى أيادى الجبهة المضادة .. أصوات تهشيم لم أسمعها من قبل ولم أرها قط فى أى فيلم سينمائى .. أيقاع موسيقى مرعب بين التهشيم والصرخات والأستغاثات , أمـُيـل برأسى لأجد والدتى العزيزة و يصعب و صف ملامحها أينذاك تحدثنى .. فقط ما أستنتجته من حديثها بعض الكلمات المبهتة المتقطعة حاولت تجميعهم سويا فكانت جملة .. والدك مازال بالخارج ولم يأت بعد !!
المشهد الخامس : قفزت من مكانى و نظرت فى ساعتى فكانت الثانية والنصف بعد منتصف الليل .. تذكرت موعد عودة والدى وهو الثانية صباحا وعمله يبعد حوالى عشرة أمتار عن واقع الأحداث .. تسربت قشعريرة فى جسدى و أيقنت أن ما حدث فى النصف ساعة الماضية كان بمثابة حطب جيد لتغذية نيران الأنتقام و أشعالها حتى وصلت لقمم المنازل المجاورة فتلفح المطلين منها ليسرعوا بالاختباء مرة اخرى .. هرولت لأستكشف كيف
وصلت قوالب الطوب و القطع الزجاجية لنوافذ غرفتى و أنا الذى أقيم بالطابق الخامس !!
المشهد السادس : قادنى الفضول للحماقة فأخرجت رأسى قليلا من نافذة غرفتى لأستطلاع الأمر و لكنى سرعان ما تخلصت من هذا الوضع المشئوم ففوجئت بالمنازل المجاورة بل الملاصقة لمنزلنا و قد نظرت لأحدهم و بالأحرى الذى كان على يسارى فوجدت شابا يتحصن بأعلاها يحمل بين ضلوعه الروح الفلسطينية مع أضفاء الروح المصرية فتمسك أحدى يداه بقالب طوب والأخرى بزجاجة ويقوم بتطويحهما فى أتجاهى حيث يتمركز أسفل منزلى حزب اليمين فأيقنت أنه من حزب اليسار .. لم يشغلنى هذا بقدر أنشغالى على
والدى , فالوقت يمر و لهيب المعركة تحول لبركان غضب .. خلفت الأمر ظهرى وهرولت قاصدا الخروج لأرض المعركة ليس مشاركة فيها و لكن فى محاولة للبحث عن والدى ,
لم تعرقلنى سوى كلمات والدتى فى الهاتف والتى قرعت مسامعى ...
المشهد السابع : كان الأتصال الهاتفى بالنجدة بعد أن كانت الأولى بوالدى الذى لم يلبى نداء الهاتف وقد أندهش البيه الضابط وقال لوالدتى هذه سابع مكالمة تصلنى من الأهالى .. تناولت الهاتف و قد تطور الأمر فظهرت أصوات طلقات نارية أختلطت بأصوات التهشيم الذى أستمر قرابة نصف ساعة متواصلة فسأل البيه الضابط
الذى أكن له بالطبع كل تقدير لموقفه :
إليست هذه معركة بين عائلات ؟؟ أنا عارفهم دول عالم زبالة ولاد ...
فأجبته : يا بيه ما نعرفش مين نعرف أن فيه تدمير .. تخريب ..
و توافقت صرخات صاخبة مع الطلقات النافذة والمكالمة ما زالت مستمرة ..
الباشا الضابط : أسمع طلقات نارية و صراخ .. والله ما هسيبهم انا جاى حالا ..
ولعلمك أنا أقيم بالقرب منكم و على دراية بأمر هؤلاء الأوباش ..
قلت لى أين موقع المعركة بالضبط ؟!
أغلقت الهاتف و أنا أعلم أنه لا فائدة سوى الذهاب فى رحلة البحث عن والدى ...
المشهد الثامن : عرقلتنى هذه المرة والدتى و شقيقتى بعد أن قامت الثانية مفزوعة من نومها وهما يحاولان منعى من الخوض فى مثل هذا الأشتباك النارى و أصرت والدتى محججة قولها بــــــ .. يبنى البوليس بيجى ياخد الكل وهياخدك معاهم أعد دلوقت ..
فجاوبتها فى بلاهة : لا من الناحية دى أطمنى خالص .. ولكنى تراجعت بسبب مخاوفى من أن يقتحم متسلقى الأسطح منزلنا وانا بالخارج فمن الواضح أنهم تمكنوا بالفعل من ذلك فى العديد من المنازل المجاورة وتم الأستيلاء مؤقتا على أسطح هذه المنازل كحصن لهم يواصلون منه محاصرة من بالأسفل فأحكمت غلق جميع النوافذ , و واصلت مسيرتى و أنا لا أعلم هل حقا سأعود أم ماذا يخبئ لى القدر فى جوبعته .. ليس و لو ذرة شك فى أن تتحقق كلمات والدتى ولكن فى كتلة أحاسيس بأن شيئا ما سيحدث بمجرد مواجهتى للحدث ...
المشهد التاسع : قفزت السلالم قفزا و كلما أقترب أصطدم بأحد جييرانى يمنعنى محاولا أقناعى بالرجوع عما أنوى عليه ولكن قابلته دون أكتراث حتى وصلت أخيرا لباب العقار الحديدى والذى كان مغلقا بأحكام .. كان فى مواجهته باب اخر حديدى يتكدس خلفه رجال يحاولون متابعة الأحداث .. تجولت بناظرى من خلف القضبان الحديدية فوجدت أن الجبهة اليمنى ما هى إلا خليط من الشباب والرجال أعرف الكثيرون منهم .. حدقت فيهم النظر .. أنهم أبناء الشارع و المناطق المجاورة مزجهم فى بعض خلاط الانتقام .. أقتحم عم محمد
– جارى - شرودى بفتحه للباب عنوة قاصدا الخروج فيجرى مسرعا فى محاولة يائسة لأنقاذ سيارته فأنطلقت خلفه , أقتربت أكثر من المشهد جذبت بعنف أحد المحاربين أقصد الواقفين وهو يعرفنى جيدا وهذا ما أعطانى الأمان لفعلتى .. سألته عن والدى فأرشدنى مشيرا بأصبعه تجاه الضفة الأخرى , وقفت مندهشا اتأمل الوضع فى ضوء الأسلحة البيضاء التى تقبض عليها أيديهم و قد أخذ بعضهم قطعا خشبية مسطحة لحماية وجوههم ..
يا للهول من أين أتت كل هذه الوفود !!
أحسست بأنى أتابع مشاهد من تصوير حرب طراودة ! و فجأة بدأوا يتقاذفون بوابل من الزجاجات وشنوا هجمة عنيفة جعلتهم تقدموا للأمام فجاءت فى صالح والدى الذى أستطاع العبور فى هذه اللحظة فجذبته تجاهى محاولا أبعاده عن هذا الوابل الزجاجى الذى سرعان ما وصل إلينا فتغيرت حركة الهجوم و تداخلت الجبهتان و هطلت السماء بالزجاجات كالثلج !! تسقط من أسطح المنازل فتتهشم على الرؤوس يلاحقها قوالب من الطوب والتى أراها قطعا صغيرة حولى , أخذ كل منا ساترا و ما أحوجى الأن لقضبان هذا الباب الذى أقف أمامه لم أتردد فتراجعت سريعا وانا اجذب معى والدى نظرا لسرعة البرق التى تحرك بها المحاربون و أغلقت الباب و تابعنا المشهد الرهيب و بعد قليل هدأت العاصفة الحجرية رضوخا لأصوات الطلقات النارية التى ظهرت ثانية و لكنى أستبشرت أنها تنطلق من طبنجات ميرى ..
ولكن قمة الحماقة هى ذكر كلمة بشرى فى هذا الموقف !!
المشهد العاشر : خرجت ثانية و لكن لمسافة قصيرة أمام منزلى و بأشد القرب من جموع المحاربين أتابع تحركاتهم وتعبيراتهم أبحث بينهم عن – ولاد الحلال – لا تتعجبوا ..
ألن أكرر لكم كلمة الحماقة مع تصرفاتى !!
جذب أنتباهى موقف كنت سأفتقده حقا أذا لم أدرجه مع هذا المشهد .. يأتى من أحد الأزقة شباب يحملون فى أياديهم صناديق تشبه صناديق المياه الغازية و أجولة و أكياسا وعالما
أخر .. أقترب هؤلاء الفتية و أفرغوا كل ما تحويه هذه الأشياء فكانت زجاجات خمور فارغة وبدأوا دون سابق أنذار المشاركة فى الأشتباك فأشتد ثانية وتزايد لهيب الغضب و كأنها قطرات الخمر وليس لتخفى أبليس بيننا , و للمرة الــــ .. تراجعنا نحن المسالمون للأحتماء ولكن فى هذه المرة دفعنى للخارج جارى القبطى الذى يسكن معى بنفس العقار
محاولا الخروج وهو فى حالة ثورة و هياج شديدين !!
المشهد الحادى عشر : جذبته من طرف قميصه محاولا أدخاله و أغلقت علينا
الباب فى محاولة للتفاوض ..
فعنفته : ماذا ستفعل أيها المجنون أذا خرجت فى هذه اللحظة سأخرج بعدها لحملك
على ظهرك والعودة بك !
فصرخ مينا : لقد تهشمت سيارتى و سأخرج و أقودها بعيدا عنهم ..
هو ينفع اللى أحنا فيه دة بس !!
لا أعلم هل ترك الشيطان أرض النزال و كان لديه الوقت لينفخ نفخة أخرى بيننا ؟!
لقد تدهور الأمر فيتزايد بالخارج ويلتهب بالداخل فخرج من حولى بعد أن فاض بهم الأمر , كل منهم فى محاولة بائسة للبحث عن أخاه أو أنقاذ سيارته أو ...
تلفت حولى ولكن أين أبى أين جارى القبطى أين عم محمد جارنا أين أين ..... إلخ .
كل منهم فى مصيبته كل منهم يحدث نفسه .. تفرق الجميع ممن كانوا حولى و تخبط من كانوا أمامى بالخارج , لا أحد يسمعنى ليس هناك من يشعر بوجودى .. شعرت بأن روحى وقد تحررت من جسدى .. ماذا حدث هل نحن فى يوم الحشر ! ها هو صوت مينا يعود ليرن فى أذنى أنه حديث مع البيه الضابط و لكنه باشا غير الباشا الذى حدثته منذ فترة طويلة
و لم يأت والصراحة .. كلهم باشوات فعلا !
صرخ مينا وقد أحمر وجهه وبرزت عروقه :
حرام عليكم حد يجى ينجدنا بقى أنتوا مستنيين ايـــــــــــه ؟
الباشا الضابط سأله سؤال وجيه : أصف لى مكان الخناقة !!
راجعت ذاكرتى .. فمنذ حوالى الساعة تلقى الضابط سبع مكالمات هاتفية و الأن و بعد ماحدث وتزايد الأتصالات يسأل الباشا الضابط مكان الخناقة فين !!
المشهد الثانى عشر : نفذت زجاجات الخمر بعد أن تهشمت جميعها و تضائلت قطع الطوب المتساقطة من السماء وهدأت المعركة ليس أكتفاء بأشباع غريزتهم فى الأنتقام و لكن لضمور وسائل الحرب الأهلية الناشبة وبدأ الجميع فى التراجع و هنا حانت اللحظة الحاسمة و شنت الشرطة هجوما بثلاث مخبرين وثلاث شومات !
ولكن الشهادة لله .. ثلاث مخبرين طول بعرض بأرتفاع .. حاجة تفرح يعنى ..
ما يزيد عن عشر مكالمات هاتفية و مع دقات الموت التى عاشها أهالى المنطقة و التى سمعها معهم هؤلاء الضباط يرسلون ثلاث مخبرين لمثل هذه المعركة !!
والشهادة لله برضه - مهو مالناش غيره والشكوى لغيره مذلة – و دى مش شكوى
يا جماعة دة بس بنقل لكم صورة من واقع الأحداث و ما خفى كان أعظم فليس ما نشاهده على شاشات التلفاز هو كل ما يحدث على أرض فلسطين .. المهم يا جماعة ..
الثلاثى الشرس أول ما شرفوا رفع كل منهم شومته و هى تتراقص فى يده رقصة الموت و أتجهوا تجاه البابين الحديديين .. تعلمون عما أتحدث بالطبع .. نعم توجهوا إلينا بكلمات السب والقذف فهم لا يريدون أحدا أمامهم .. هذا الموقف ذكرنى بهذا الأشوح الذى كان يقذف بالزجاجات تجاه نافذتى .. فقد تركوا الفارين أمامهم و توجهوا إلينا !!
المشهد الثالث عشر : الحمد الله يا جماعة أتفض المولد و أخيرا ظهر - ولاد الحلال – اللى شرفونا بنبابيتهم اللى هتتصدى لطبنجات المحاربين و كله تمام و الأمن مستتب .. يلا بقى بيتك بيتك ..
المشهد الرابع عشر : أنطلق جارى القبطى تجاه سيارته القابعة بين عشرات السيارات المهشمة و قادها أمامى و أنا أتسائل عن طبيعة هذه المركوبة التى يقودها !
عنفه المخبر ( الذى ظنه مخلوق فضائى بسبب مركوبته ) وطلب منه أن ينصرف
فرد صديقى العزيز : وماذا أفعل فى هذه السيارة ؟؟
فرد المخبر فى سذاجة : روح أعمل محضر ..
ثوانى معدودات و رحل كل منا ما عدا العشرات الذين وقفوا يندبون حظهم على تركهم سياراتهم فى واقع الاحداث بالرغم من وجود نية مبيتة لهذه المعركة الشرسة ولكن الحظر لا يمنع القدر .. و تسلل لسمعى كلمات من الحاضرين أيقنت منها بأن لهذه المعركة توابع وزوابع , فلا يصح أن تنتهى مثل هذه المعركة فى جولة واحدة !!
المشهد الخامس عشر : كان هناك موعد فى الثانية بعد منتصف الليل مع أحد أصدقائى والذى سيأتى حيث العقار الذى أسكنه لنتجه سويا لقضاء أمر ما , ولكن لرحمة القدر به تعرقله بعض العقوبات فلم يأتى فى موعده بل أتى فى الثالثة و النصف صباحا و قد أتصل على هاتفى يطلب رؤيتى ضرورى !!
أتجهت إليه و قد أستدللت بعلامات الأستفهام فى ملامحه و قد دب الذعر فى أوصاله فألقيت نظرة أنا الأخر - بعد أن عاد الوضع كما كان فى الواحدة والنصف يزيد عليه ندرة حركة المارة - فوجدت أمامى شارع طوله لا يقل عن عشرون مترا مكسو تماما بقطع الزجاج المهشمة مع كثير من الحبات الطوبية المبعثرة على السطح و حولنا و التى
تملأ الشوراع المتفرعة أيضا ..
نظر إلى وهم بالسؤال ولكن سبقه به أحد المارة الثلاثة والذى إلقى السلام و
وقف يسألنا والدهشة تغمره :
ماذا حدث هنا بالضبط ؟
نظرت إليه و أنا أفكر كيف أقتضب الحديث و وجدتنى أقول له :
كل سنة و أنت طيب النهاردة كان عيد الكريسماس ..
أسدل الستار و أنتهى الفصل الأول و لكن سيستمر هذا العرض المسرحى طالما أن النفوس مشحونة بالغضب
والقلوب يحركها السخط ولا حول ولا قوة إلا بالله على حال العرب !!
ــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــ
كتبها / مـحـمـد حـسـن عـبـد الـجـابـر
مقر الأحداث الدامية / مدينة الأسكندرية
تاريخ الواقعة : 20 / 4 / 2007
سبب الواقعة / أخجل أن أذكره .


0 Comments:
Post a Comment
<< Home