
بسم الله الرحمن الرحيم
سـحـابـة حــب
عندما ينتابنى هذا الأحساس التقليدى وهو الملل أسرع فورا لتناول قرص يزيل عنى هذا الشعور القاتل , فأمد يدى فى مكتبة أسطواناتى و أجذب واحدة من هذه الاقراص والتى تعود لزمن الفن الجميل و أدسها بفم جهاز الحاسوب وأنتظر قليلا حتى يتذوقها مشغل الاسطوانات الخاص به
فسيتطعهما ثم يسمح لى بمشاركته فى ذلك ..
و لكن حاسة التذوق ليست واحدة لدى الجميع , فلسان حالى له مذاقه المختلف عن الأخرين ..
فأنا أتذوق هذه المقطوعات الغنائية ولكنى لا أستطعمها كما هى !!
فقط أكتفى بهذا اللحن و هذا الصوت الرائعين لما يشعرانى براحة نفسية ويبددان الشعور المرير الذى أنتابنى , فهذه الأقراص بمثابة مسكنات ..
لقد حاولت مرارا أستيعاب كلمات الحب والغرام التى تشدو بها
كوكب الشرق و عندليب الحب ولكنى فشلت !
أنا افتقد الأحساس بمعنى الحب .. بل أفتقده ذاته فكيف لى أن أفهم شفراته !!
لو كان هناك دكتور غرام لذهبت إليه و أعترفت له بأنى مريض بأنيميا الحب
رباه .. ماهذا الأحساس الغريب الذى أنتابنى ! و لماذا أمكث وحدى بهذا المنزل العتيق العريق ؟
لماذا أبتعدت عن أصدقائى , أقاربى , أحبائى ؟ !
و لماذا هذه القلعة التى أختبئت بها بعد وفاة والدىٍِ رحمهما الله ؟! أعلم أنه الانطواء بمرارته بل هو أن صح التعبير الموت البطئ بغفوته ..
ولكن الأن سأهدم هذه القلعة سأدك حصونها سأدمر مفعولها ..
******
أتجهت مسرعا أتناول هاتفى أبحث فيه عن بضعة أرقام .. أنهم أصدقاء ( الطفولة والمراهقة والشباب ) , كم أتوق لرؤيتهم ومجالستهم .. حقا أنا الأن فى حاجة إليهم , قلبى يدق مصدرا أصواتا كذبذبات الهواتف عندما توضع بجانب أجهزة ألكترونية , تنتهى الذبذبات بمثابة أن يتنبه لها أحد فيستجيب لألحاحها .. هكذا قضى صديقى على ذبذباتى بأستجابته لأتصالى ..
تجاذبنا وصلة ملتهبة من الأشتياق ومرارة الفراق ولكنها أنتهت بأعتذاره عن مقابلتى نظرا لأنشغاله فى عمله , هكذا أجرب مع الرقم الثانى والثالث والـ ـ ـ ـ
الجميع مغمورين فى حياتهم بعد الزواج إنها دوامة الحياة فلا عتاب عليهم بل يجب محاسبة نفسى أولا , فأنا الذى أنغمست فى عملى فى أزهى سنوات العمر حتى ضاعت , و تباطأت عن الزواج حتى وصل سنى للثلاثون دون أن أنجز شئ يذكر , مجرد وظيفة توفر لى النقود اللازمة للمعيشة .. لا معنى للحياة فى نظرى فلا جديد بها , اليوم كالأمس و هو صورة من الغد , لقد أصُبت بحالة مزمنة من السأم فلن تكفينى أقراصى هذه المرة ..
ينادينى أذان العشاء فأستجيب له وهو يقول حى على الصلاة .. حى على الفلاح , قمت فتوضأت لأصلى وقد كلمت الله فى صلاتى و أنا أدعوه بأن يشفى قلبى المكلوم وما أن أنهيت صلاتى حتى أشتقت لأن يكلمنى الله فتناولت المصحف و جلست فى خشوع أتلو أياته وكانت فى سورة الروم حتى وصلت للأية رقم ( 21 ) فأنفرجت أساريرى وأخذت أعيدها على أذنى مرارا وتكرار ..
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } صدق الله العظيم .
أهتز قلبى راقصا لهذا المعنى ولم أتردد فى أن أطلبها من الله .. طلبتها بصدق نية وكلى ثقة بأن يجمعنى القدر بشريكة حياتى وحلم عمرى بأن يهدينى لأجد سكنى و دنيتى الجديدة ..
***********
مرت الأيام و أنا أنتظر هذا اليوم وأتخيل هذه اللحظة التى ألتقى فيها بحبيبتى فأصرف لها رصيدها من المشاعر المخزونة طوال سنوات العمر التى مضت , أسلمها مفتاح قلبى فيصبح لها وحدها بنكا للحب ولكن يبدو أننى مازلت أعيش أوهام المراهقة وتمنيت أكثر مما يجب و كأن الأيام تعاندى , فمازلت أذهب لعملى صباحا و أقضى ساعاتى مع أقراص الحب ليلا .. لم أيئس وكررت دعائى فى جميع صلواتى بصفة يومية حتى كان هذا اليوم المشهود !!
أستيقظت من النوم فى موعدى ولكن شعور غريب يتملكنى أحساس جميل لا أفهمه وجه ملائكى لا أنساه .. أنه حقا حلم ولكنه أجمل حلم رأيته ومازال عالقا بذاكرتى فى يقظتى , لكن سأترك هذه
الأوهام الأن حتى لا أتأخر عن موعد العمل ..
ذهبت لعملى وأنا شبه مغيب عن الواقع بصلابته .. لا أعلم سر الراحة النفسية التى
أعيشها فى هذه اللحظات !!
مرت ساعات العمل لأول مرة وأنا لا أشعر بها ولكن يشعر بى زملائى فى العمل .. لم أنتهى من تلميحاتهم وغمزاتهم و أصرارهم لمعرفة سر حالتى .. أنا نفسى لا أفهم ماذا أصابنى بعد رؤيتى لهذا الحلم !!
خرجت من الشركة وقررت أن أكسر روتين يومى فدلفت من شارع – خالد بن الوليد – بالأسكندرية قاصدا البحر الشاهد على أحلامى وطموحاتى منذ الصغر, ذهبت إليه أختبر ذاكرته فجلست على الصخور أنظر إليه فى صمت وفجأة تلاطمت أمواجه على الصخر من حولى , أيقنت أنه قد رأنى ويتراقص
فرحا بى أنه يشعر بوجودى يفهمنى يفرح من أجلى ..
أخبرته بكل ما مررت به منذ لقائى الأخير به و وعدته بأن أبوح له بكل أسرارى فيما بعد ..
عدت إلى منزلى و قررت أن أجدول أيام الأسبوع للتوفيق بين عملى و مزاولة هواياتى السابقة المحببة إلى نفسى , ولم أنس أن أخصص يوم عطلتى لزيارة أقاربى الذين تناسوا صلة الرحم وظنوا
أنها كانت تربط بينهم وبين والدى ٍ فقط ..
هكذا كانت أيامى عندما قررت النفاذ من دائرة الوحدة , يزينها الحلم الذى كنت أنتظره كل ليلة ولكنه لم يتكرر سوى مرات معدودات أكتملت فيها صورتها .. قرأت فيها جمال الروح ورقة المشاعر .. عاودت الذهاب للصخرة أوفى بوعدى لعلى أجدها هناك .. سألت صديقى المخلص هل رأيت هذا الوجه الملائكى الذى وصفته لك ؟؟ هل مرت على شاطئك منذ أن ولدت فى هذا المكان ؟؟
أنسحب البحر بأمواجه من حولى وأنا أعلوه فتلفت حولى فى رجفة و أنا أنظر أليه وقد أيقنت أنه يخجل أن يجيبنى , أنسحبت أنا الأخر وخيبة الأمل تملؤنى ..
مرت شهورا وأنا أراها فقط فى أحلامى فى خيالى .. حفرت ملامحها فى ذاكرتى
وكأنها قضت معى دهرا ..
عشت أسوأ فترات حياتى فيا لمرارة الأحباط , وها هى المصائب لا تأتى فرادى كما يقولون فأذهب لعملى فى أتعس أيامى لأفوجئ بالخبر اللعين..
لقد تم خصخصة الشركة وللأسف تم الأستغناء عن بعض الموظفين وكان أسمى واحدا
من هؤلاء البؤساء فى هذه اللحظة شعرت بأن الأرض ضاقت على بما رحبت لقد فقدت كل شئ فى غمضة عين لكنى أخذت قرارى وحسمت أمورى فى ذات اللحظة فلمن أبقى هنا وعلى ماذا أبكى .. لا جدوى أذن
من بقائى .. سوف أرحل سأغادر البلاد تاركا فيها حطام ذكرياتى وبطلة أحلامى ..
لم أتردد ولم أتوان فقررت أن لا تضيع برهة من عمرى هباء بعد الأن هكذا أتجهت لأقرب مركز أتصالات وطلبت تحويل مكالمة بألمانيا .. أنه صلاح أخى الوحيد , كان أنصح منى وفعلها منذ سنوات لم أستمع إليه ولم أقتنع بكلماته وقتها .. الأن فقط أراجع كلماته أتذكر توسلاته ..
أتناول الهاتف فألتقط أطراف حديثه .. أحسست بأنه طار من الفرحة وحلق بسماء برلين عندما أعترفت له برغبتى فى السفر والأقامة معه , لمست من صوته الحنين والرغبة الشديدة فى أن أشاركه غربته حتى تصبح وطنا صغيرا لنا .. شجعنى صوته الدافئ وحماسه الدافق وزاد من أصرارى على السفر , طلب منى أستخراج جواز السفر ولا أشغل بالا بالأمور الأخرى من فيزا و أقامة وخلافه فله علاقات طيبة داخل مصر وخارجها .. عجبت من سهولة الأجراءات و أستخراج الأوراق اللازمة , لم تعترض الظروف طريقى ولم يفلح الروتين فى عرقلتى كما أعتدت !!
هكذا حزمت حقائبى ولملمت بقايا ذكرياتى .. جمعت بعض الأشياء والتى كانت ترمز لفترات عشتها فى حياتى مع أعز أصدقائى ومع غيرهم .. أتجهت للشرفة و أطللت برأسى وشردت للحظات رأيت فيها سنوات الطفولة .. هنا عندما كنت صغيرا أجرى وأمرح فى كل مكان ولا أنسى صوت والدتى الحنون و لكنها كانت تصرخ فى : كفاية لعب بقى يا فارس .. أطلع يلا الغدا جاهز ..
أبتسمت فى ثقل وأنا أدعو لهما بالرحمة .. حملت متاعى وغادرت الشرفة و أحكمت غلق كل ما يجب غلقه هنا ونظرت لأجواء منزلى فى شماتة واضحة , سأتركه يعانى مرارة الوحدة .. بعد قليل
سيدرك كم عانيت هنا وحدى ..
الأن أنا جاهز للرحيل وقراراى الأول هو المغادرة دون أن أخبر أحد , فكم أكره لحظات الوداع لما بها من إلام الفراق , فهى كمسيرة تشييع الجثمان ما أن ينزل قبره حتى ينصرفوا جميعا ويتركوه وحيدا ..
لا أريد أن أتذكر شئ فى رحلتى , فقط سأخطط لما هو قادم ولن أنظر
للماضى بعد الأن ..
********************
أستقللت سيارة أجرة لتقلنى إلى مطار النزهة وقد ساعدنى السائق فى تحميل حقائبى بسيارته و أنطلق بى و أطلقت لخيالى العنان أفكر فى موطن النازية و فى أخى الذى لم أره منذ سنوات وفى حياتى الجديدة ولكن الواقع يتدخل ليعلن عن نفسه فيمرر على ناظرى بعض المواقع وأنا فى طريقى للمطار
و قد كانت شاهدة على بعضا من ذكرياتى .. هنا يغير خيالى أتجاهه ويرمح للخلف .. للماضى البعيد لسنون الطفولة والمراهقة .. ولكن الأن وصلت للمحطة الأخيرة ها هو المطار أو كما أسميه
القفص االعملاق لطائر الرخ ..
أنتظرت فى صالة الأستقبال اتأمل من حولى وهم منهمكون مع ذويهم ممن جائوا لوداعهم فوجدتهم يتسامرون ويضحكون ثم يتذكرون اللحظات القادمة فيحتضنون , تلفت حولى لأرى رفقاء الرحلة ولكنى أيقنت أن ليس جميعهم من محافظتى الجميلة وتبين لى ذلك من ملبسهم وملامحهم , ليس هذا يهمنى كل ما يهمنى أن أرحل من هنا ..
******
و جاءت اللحظة المنتظرة وتم السماح لنا بالدخول لمراجعة جوازات السفر والفيز وبالطبع كنت أول الطابور وتركت الباقون منغمسون فى الأحضان والقبلات , مرت اللحظات فى أمان وكل شئ كان على مايرام فقط جلسنا مرة أخرى فى أنتظار الطائرة ولكن دون أقارب أو أحباب وهذا كان سببا فى أن يتطفل على نوعية خاصة من البشر لا أطيقها .. أين تذهب فى المانيا ولمن ولماذا و .... أخيرا سمحوا لنا بالصعود على متن الطائرة ..
صعدت سلم الطائرة فى عجل واضح لكنى بحثت عن مقعدى فى هدوء حتى وجدته فجلست به ولحسن حظى كان يقع بجانب نافذة الطائرة و هذه كانت هوايتى منذ الصغر وهى الجلوس بجانب نوافذ المواصلات ومتابعة العالم الخارجى من خلالها ..
كل شئ يمر فى نظام وأمان مما يثير قلقى ! ها هى الطائرة تستعد للأقلاع ونستعد معها ولم ألتفت حتى لمعرفة الشخص الجالس بجانبى فكنت مندمج كل الأندماج مع المشهد الخارجى وقد بدا فى التحول لعالم مصغر .. مرت دقائق معدودات وكنت أتابع السماء فى لحظة الغروب فتحسست النافذة بأناملى وكأنى أحاول أحتواء السحب بقبضتى , فقط يشوش أفكارى حركة المضيفات وحضورهن المتكرر لأبداء أهتمامهم بنا , لو تركوا لى باب التسمية لخصصت لهن لقب – ملائكة الرحمة - عاودت النظر من النافذة تارة ومتابعة الحركة هنا تارة أخرى , أنه حقا لمشهد رائع فقد خيل لى أن بأمكانى ملامسة القمر عندما يظهر ولكــ ـ ـ ـ ن القمر ظهر فعلا ! يا إللهى أنه بالفعل معى فى هذه الطائرة
أنــــــــــــه .. أنـ ـ ـ ـــه هى !!!
رباه .. ماهذا ؟ هل مجرد تشابه أم هى حقا !! أقسم بأن هذا الوجه المقمر هو ما رأيته بالفعل فى أحلامى ولكن لماذا توارت هكذا عندما رأتنى لماذا أختفت !! يبدو أنها أحلام اليقظة أو قد أصابنى الدوار ..
أصابنى شبح التوتر .. أشعر الأن بأنى أحدثت ضجة فالكل يتلفت وينظر تجاهى ولكنى لم أبالى .. نعم يجب أن أتأكد بنفسى مهما كان الثمن ..
حاولت التحرر من قيودى لأغادر مقعدى ولكن منعتنى هذه المضيفة وقد عرضت على خدماتها , فقط سألتها من هذه المضيفة التى كانت تقف هناك منذ قليل - و أشرت لها بأصبعى إلى المكان الذى كانت تقف فيه – نظرت لى فى أرتباك وقد خرجت الكلمات من فمها فى نسق التهتهة فقالت :
أ تـ قـ صـ د أحلام ؟؟ قلت لها نعم أقصدها , من فضلك أريد التحدث إليها ..
سألتنى فى فضول : هل تعرفها ؟؟ فجاوبتها فى شرود : لا أعرف غيرها ..
ذهبت المضيفة وقد أستغرقت وقتا ثم عادت وحدها لتصدمنى : عذرا أحلام مشغولة الأن
ولا يمكنها الحديث معك ..
رفضت هذا الوضع و ألححت فى طلبى فألتف حولى جمع من مضيفات الطائرة دون أحلام , لا أعلم لماذا تتهرب منى وكأنها تعرفنى ! أشتد وأحتد النقاش وكدت أن أقتحم المكان للذهاب بنفسى .. منعونى فحاولت ولكن أوقفنى صوت القائد الذى جاء كالبرق ليشيـع الرعب بيننا : الطائرة أصابها عطل فنى وسنضطر للهبوط الأن .. أرجو عدم الأنزعاج وكل شئ سيكون على ما يرام ..
أقسم بأن هذا لم يشغلنى بقدر تفكيرى فى أحلام , لقد رأيتها أمامى وعرفت أسمها لم يبقى سوى أن أحدثها أسمعها ألمسها ولكنى سأنتظر حتى يمر هذا المأزق لعله يكون فى صالحى ..
الفزع كان سيد الموقف فأثره كان واضحا على وجوه الركاب .. هم فى وادى وأنا فى أخر , أجلس فى صمت و لم يثير حيرتى غير رؤيتها ثانية ..
لقد ظهرت و تلاقت الأعين وظهرت حمرة الخجل على خديها الموردين ثم أختفت بسرعة الضوء !
لا أعلم هل هذا حلم أم حقيقة , هممت أن أقوم ثانية بالرغم من شعورى بالطائرة وهى تترنح بنا فمنعنىالشاب الجالس بجانبى وترجانى بأن أهدأ الأن فليس هذا الوقت المناسب .
الطائرة كانت تطوح بنا لا تترنح ولكن تدخلت العناية الألهية لتنقذنا وبدأت بالفعل تستعد للهبوط وسط حالة من الهلع أصابت الجميع , ما أن هبطت الطائرة حتى هرعت أبحث عنها فى كل مكان سألت عنها كل من يعرفها لكنها كانت بالخارج .. نعم تسللت من الطائرة بينما أبحث عنها بالداخل لقد رأيتها من النافذة تسير بصحبة هذه المضيفة .. خرجت أركض السلم ركضا و أنا أراقبها وهى تبتعد , تحاول أن تختفى عنى مرة أخرى ولكن هيهات لن يمنعنى أحد هذه المرة .. أٌقتربت منها وهى تسرع خطواتها فى تخبط .. جذبتها برفق من طرف قميصها , توقفت .. نظرت إليها وقد أصابتنى رجفة هزت كيانى بأكمله كانت تسمع دقات قلبى فتبتسم , كادت عيناى أن تدمع لا أصدق نفسى أنها هى حقا ! حلم عمرى ماثل بين يدى .. حاولت ألتقاط الحروف التى تاهت من على شفتاى و سألتها وقد غمرتنى الدهشة :
لماذا تهربين منى و أنتى أمل حياتى الذى طال أن أنتظرته ؟؟
أبتسمت فى رقة فظهرت هالة من النور حولنا , خطفت قلبى بنظرتها بلمستها بأبتسامتها
ثم جاوبتنى بصوتها وكأنه عزفا ينبع من أوتارها الصوتية : كنت أبحث عنك دوما بين النجوم عندما أحلق فى السماء لكنك كنت نجم عال أخفق دوما فى ملامستك .. ظللت بعيدا عنى تحلق فقط بسماء خيالى .. أنا لا أهرب منك بل أهرب من خيالى لأنتزعك منه .. حاولت أن أتماسك عند رؤيتك بالطائرة ولكنى أخفقت بل أخفقت الطائرة نفسها فى الحفاظ على توازنها أثر رؤيتك ..
و أختفت يدها الصغيرة فى جيب قميصها و أخرجت لى ورقة وطلبت منى أن أفتحها , نظرت إليها وقد تكاثر فيروس البلاهة بين قسمات وجهى يزيد من ذلك طلبها الغريب ولكن ما على سوى التنفيذ , فتحت الورقة وهى تتابعنى فى أبتسامة , تسمرت أمام الورقة وقد أتسعت عيناى و أرتجفت يداى , رنت ضحكتها فى أذنى .. نظرت إليها وكاد قلبى أن يقف من سرعة ضرباته التى سمعها الجميع فألتفوا حولنا .. سألتها فى دهشة
كيف تم هذا ؟ !!
فأجابتنى صديقتها المضيفة التى حالت بينى وبينها فى الطائرة : أحلام بكالريوس فنون جميلة ورسامة موهوبة من صغرها .. أحلام قررت ترسم فتى أحلامها من قبل ما تشوفه فرسمت على الورق كل اللى كانت شايفاه فى خيالها , ماكنتش تتخيل أنها ممكن تقابل صاحب الصورة دى فى يوم من الأيام .. ظنت أنها لوحة كباقى اللوحات التى ترسمهم وتملأ بهم مرسمها الصغير ولكنها وجدت فيها مايجسدها عن باقى لوحاتها ..
فقررت الأحتفاظ بها و لازمتها الصورة أينما ذهبت
الصورة تشبهنى حقا وكأنها رسمتها فى حضورى ! هل هذا حلم جديد أم واقع !! لم أصدق نفسى .. أعجز عن وصف سعادتى أين أنت أيها البحر الأن .. رفعت رأسى أشكر الله على ما أنا فيه ..
ما أجمل هذه السحابة .. ما أروعها وهى الوحيدة بعنان السماء تشهد على تحقيق أمنية حياتى سأصعد أليها الأن سأجلس بجانب النافذة مرة أخرى و أحكى لها عما أشعر به ..
ما أجمل الحياة فى نظرى وقد ألتقيت أخيرا بنصفى الأخر ..
تسللت يداى تمسك بيداها الصغيرتين .. تبتسم لى فيتراقص قلبى من السعادة .. وعدها بأنها معى ستكون أميرة فى مملكة الحب , يكتمل المشهد بصوت العندليب الذى يأتينى
من هاتف أحد المتفرجين وكأنه يهادينى ..
حياتى دنيتى عمرى بأمر الحب مش أمرى .. بحبك حب محدش قبلنا عرفه ولا صادفه ..
بحبك حب ومش قادر على وصفه و أنا شايفه ..
الأن فقط أفهمها هذه الشفرات .. الأن فقط أستطعمها تلك المقطوعات ..
يتراقص لسان حالى معلنا للجميع أنه يتذوق هذا الأحساس المعسول .. سيظل مذاقه مختلفا
عن الأخرون سيظل منفردا بهذا الشعور الحنون ..
سيكون دوما أفصح من يتحدث عن شهد الحب المكنون ..
بـقـلـم / مــحــمـد حــــســن عـبـد الجــابـــر
T_OF_ALEX@HOTMAIL.COM