Monday, January 22, 2007






الحلقة الرابعة

كان تنكر ماهر فى زى عامل نظافة من أكثر العوامل التى دفعت هذا القاتل أن يـُعجل من أختياره لضحيته هذه المرة , فهذه الملابس البسيطة الذى كان يرتديها ماهر أن دلت ( فى نظر هذا الرجل الغامض ) أنما تدل على أن صاحبها رجل بسيط تكاد تنعدم أهميته فى هذه الغابة الكبيرة التى نعيش بها والتى يطلقون عليها مسمى الحياة , فرد فعله المترتب عما ستسفر عنه الأحداث من أختفاء أبنه لن يكون بالخطورة أوالسرعة التى قد تنتج عن رجل أخر يرتدى من الملابس ما قد يدل على أنه يعرف أحدا من – الكبار – الذى بأمكانه أن يساعده
ويـُعجل من البحث عن أختفاء نجله ....
( يبدو أن المظهر العام يمثل جانبا من خطة هذا المجرم فى تنفيذ جرائمه ) فهذا الرجل البسيط ( عامل النظافة ) حاله كحال من سبقوه وخضعوا لأحد القوانين وهو الأنتظار على أختفاء طفله يوم بأكمله كى تبدأ عملية البحث وهى الفترة الكافية التى يحتاجها هذا القاتل لينقض فيها على فريسته ثم يعيدها مرة أخرى بعد أن يفتك بها , فالسرعة هى مبدئه فى تنفيذ جرائمه وهذا هو سر نجاحه حتى الأن !!!
يبدو أن هذه الأفكار هى التى جالت بخاطره بعد أن كشفتها نظرته لباسم
ولأدوات النظافة التى بجانبه ....
هذا التفسير المبدئى للرجل الغامض كان عن لسان أحد الضباط الذى رواه فيما بعد للعقيد حسام وهذا الضابط هو الملازم ناجى أحد المتنكرين فى زى مواطن عادى بمركز الأتصالات , كانت مهمة الملازم ناجى والتى كلفه بها النقيب ماهر هى مراقبة هذا الرجل خطوة بخطوة بمجرد دخوله لمركز الأتصالات
إلى أن يخرج مصطحبا باسم ...
أقترب هذا الرجل فى تؤدة من باسم وشبح أبتسامة مصطنعة كانت لا تفارق شفتاه فجاوبه باسم بأبتسامة ( كما فطنه والده ) فأزداد البريق فى هاتان العينان الغائرتان وأحس بأستسلام ضحيته له فأتجه برأسه فى حركة خاطفة ليطلب من الموظف المختص بمركز الأتصالات تحويل مكالمة دولية على أحدى الكبائن متعمدا ذلك نظرا للأزدحام المحيط به فسيضطر الأنتظار للحظات نظرا لأنشغال جميع الخطوط وحدث ماتوقعه فأرتسمت على شفتيه أبتسامة توحى بفخره بدهائه ( لا يعلم أنه لو طلب تحويل مكالمة محلية لكانت النتيجة كسابقتها أيضا ) .
أقترب الرجل من باسم حتى أتخذ جانبا منه وجلس وهو يحاول جذب أنتباهه بهذا الجيتار فأستجاب باسم ومد يداه كى يأخذ منه الجيتار فهب الرجل واقفا فتعلقت عينى باسم بالجيتار الذى فشل فى الأمساك به , هنا ربت الرجل على كتفه محاولا أقناعه بالأبتعاد عن هذا الأزدحام كى يتمكن من الأستمتاع بما يحدثه هذا الجيتار من أيقاعات موسيقية رائعة , وما أن خرجا حتى أنتهى دور مركز الأتصالات و بدأ دور الملازم ناجى , كان من حسن حظ ناجى أن الرجل كان منشغلا بمداعبة باسم طوال فترة سيرهما بالقدر الذى صرف أنتباهه عنه , وهذا لم يمنع ناجى من أن يتوخى الحظر وأن يحاول بقدر المستطاع تفادى نظراته له حتى لا يفتضح أمره أمام هذا الرجل وليتمكن من مواصلة الخطة بسلام .
أستمر هذا المشهد قرابة ثلاثون دقيقة كانت خلالها المنازل قد بدأت فى الأندثار وبدأ يتسلل رحيق المجهول لقلب ناجى ومازال السير مستمرا حتى أختفت
المنازل تماما وأصبح ناجى يقف كمن جردت منه ملابسه فى مكان مزدحم فها هو الأن لا مخبأ له كى يحتمى به عن عيون هذا الكائن الغريب الذى يواصل سيره أمامه دون أن يكلفه تفكيره لمجرد الألتفات حوله لرؤية هذا الظل الثالث الذى يشاركهم سيرهم بعد أن ظهر واضحا فى ضوء القمر الخافت , هنا زادت دهشة ناجى وبدأت المخاوف تأخذ مأخذها منه , على الفور أجرى ناجى مكالمة هاتفية بالنقيب ماهر– الذى كان يتبعه هو ومجموعة من رجال الشرطة وعلى مقربة منه– ليخبره بواقع الأحداث ...
طمئنه النقيب ماهر وأخبره أنه بالقرب منه ولكن ظهوره الأن
سيفسد خطتهم ..
- لذا فعليك أن تستمر ياناجى وأريدك أن تصف لى أى طريق سلكتموه من هذه الطرق الثلاثة ؟! وأى منطقة تقف بها الأن وأين يتجه هذا الرجل فى هذه الأرض الخاوية ؟!!
وما أن أنتهى النقيب ماهر من حديثه حتى أكتشف أنه كان يحدث نفسه مما أثار دهشته وكادت مخاوفه أن تغلبه ولكنه حاول التماسك على الأقل أمام من حضر معه وعاد حديثه مرة أخرى : ناجى .. ناجى .. أين ذهبت ؟ هل أنت على مايرام ؟
ومازال ماهر يتسائل حتى بدأ يفقد أعصابه فأشتدت نبرة صوته فأفيق ناجى على هذا الصوت الأجش و أزدرد لعابه كى يبلل حلقه الذى جف من الرعب ولبى ندائه فغضب ماهر لتأخره فى الرد ولكن جاوبه ناجى : أأسف على شرودى ولكن منظر هذا المبنى الذى أقرب إلى كوخ ضخم منه إلى منزل هو المبنى الوحيد فى هذا المكان الموحش وأرى باسم بصحبة هذا الشبح يسير تجاهه بل أراه الأن يفتح هذا الباب الخشبى ليبتلعه ظلام هذا الكوخ ولكنه قبل أن يوصد الباب ألتفت إلى ليرمقنى بهذه النظرة القاتلة التى تحمل الكثير من المعانى وشبح أبتسامة مخيفة أرتسمت على شفتاه وأغلق الباب لأجد نفسى وحيدا فى هذا الظلام الدامس !
يتسلل إلى أذنى الأن أيقاع رتيب من نقيق الضفادع وأصوات أخرى لا أستطيع تمييزها أشعر أنه فحيح الثعابين أو .....
قاطعه ماهر : لا تقلق يا ناجى ولا تطلق لخيالك العنان الأن حتى لا تتوهم أشياء مريبة قد لا يكون لها وجود إلا بخيالك الواسع وقد تفقدك صوابك وما هى إلا دقائق معدودات وسأكون أنا ومن معى حولك ...
أطمئن قلب ناجى بعض الشىء ولكن يزداد الأيقاع مرة أخرى من حوله وكأنها سيمفونية رعب يقوم بها أحد العازفين الحاصلين على دكتوراه
فى فسيولوجيا الخوف !!
سارت قشعريرة فى جسده ولكنه حاول أن يصرف فكره بأى أمر أخر حتى لا يداهمه الخوف ثانية وبينما هو فى صراع عقلى يحاول الصمود فيه لأطول فترة ممكنة أحاط به النقيب ماهر ومجموعة لا بأس بها من رجال الشرطة ورجال الأمن المركزى وبدأ ماهر يأمرهم بمحاصرة المنزل فأصبح المنزل محاط من جميع الأتجاهات برجال الأمن المركزى ولا توجد ثغرة بالقرب من المنزل إلا وكانت تخفى بداخلها واحدا منهم .
تناول النقيب ماهر مكبر الصوت وكما تعودنا من الأفلام السينمائية يوجه ماهر ندائه من هذا العراء وهو مازال يجهل أسم هذا القاتل ولكن أخبره بمحاصرة منزله ولا يوجد أى منزل بجواره كى يستطيع القفز والأحتماء به فلا مجال تماما للهروب أو حتى المقاومة ولكن لا حياة لمن تنادى ...
ظل ماهر فى هذا الموقف مدة ليست بقصيرة وصدى صوته يجلجل فى هذا الفضاء الذى يقفون به ولكن دون جدوى ...
فاجأهم الرجل الغامض بأطفاءه للأنوار , صمت وقتها ماهر للحظات ظنا منه أن الرجل أستسلم و يستعد للخروج , مرت لحظات فى صمت رهيب وظلام مخيف وهذا المنزل قابع فى الظلام كأنه شبح ضخم يهاجمهم وتعجب ماهر من رد الفعل هذا وأتخذ قراره النهائى بالأقتحام .....
أمر ماهر رجاله بالهجوم وطلب من ناجى أن يذهب معه كى يتحسسا أى ثغرة تمكنهم من دخول هذا المنزل أثناء أنشغال الرجل من الداخل بالمقاومة وبالفعل بدأ الهجوم و كأنه بقيادة هتلر , شنت حالة هجوم مريبة مصحوبة بطلقات نارية ولكن لم تدم طويلا حتى عادت لحظة الصمت الرهيب مرة أخرى !!!
هنا توقف الرجلان عن الحركة ( ماهر و ناجى ) وتبادلا النظرات فى دهشة كما تبادلا اللآفكار فدارت بأذهانهم نفس الأسئلة ..
ماذا حدث ؟ لماذا توقف أطلاق النار ؟!
وفى نفس اللحظة هرول الأثنان مسرعين إلى حيث تركوا رجال الأمن وما أن وصلوا حتى وقفوا وهم يلهثون أمام هذا الباب الخشبى الذى يخفى خلفه العديد من الأسرار والحقائق بعد أن أتسعت عيناهم رعبا و أفواههم فاغرة من أثر الذهول وجثا ناجى على ركبتيه بينما تسمر ماهر فى مكانه كالصنم و هو يتابع
هذا المشهد الرهيب ...


تــألــيــف / مــحــمــد حــــســن عـبـد الجــابــر





0 Comments:

Post a Comment

<< Home