Tuesday, July 24, 2007


شايف أن فى حاجات كتير غلط بتحصل أدامك بس خايف تقولها أتكلم هنا ومتخافش .. عندك مشكلة مضيقاك أحكى هنا و ماتتكسفش .. حاسس أن كله كلام فى الهوا أهو هنفضل نتنفس فخليك معانا وماتيأس ..
عايز تعرف كل جديد و تتابع معانا أول بأول يبقى تضغط على كلمة
YAHOO GROUPS
الموجودة على يمين الصفحة فى المربع و أشترك فورا فى الجروب ..
هتقرى هنا كلام ممكن تلاقى نفسك فيه وممكن تحب تضيف تعليق عليه
يبقى أبعت على
t_of_alex@hotmail.com
وماتكسلش ..
ودلوقت بقى أسيبك تقرى و تندمج وما أعطلكش ...


بسم الله الرحمن الرحيم

سـحـابـة حــب


عندما ينتابنى هذا الأحساس التقليدى وهو الملل أسرع فورا لتناول قرص يزيل عنى هذا الشعور القاتل , فأمد يدى فى مكتبة أسطواناتى و أجذب واحدة من هذه الاقراص والتى تعود لزمن الفن الجميل و أدسها بفم جهاز الحاسوب وأنتظر قليلا حتى يتذوقها مشغل الاسطوانات الخاص به
فسيتطعهما ثم يسمح لى بمشاركته فى ذلك ..
و لكن حاسة التذوق ليست واحدة لدى الجميع , فلسان حالى له مذاقه المختلف عن الأخرين ..
فأنا أتذوق هذه المقطوعات الغنائية ولكنى لا أستطعمها كما هى !!
فقط أكتفى بهذا اللحن و هذا الصوت الرائعين لما يشعرانى براحة نفسية ويبددان الشعور المرير الذى أنتابنى , فهذه الأقراص بمثابة مسكنات ..
لقد حاولت مرارا أستيعاب كلمات الحب والغرام التى تشدو بها
كوكب الشرق و عندليب الحب ولكنى فشلت !
أنا افتقد الأحساس بمعنى الحب .. بل أفتقده ذاته فكيف لى أن أفهم شفراته !!
لو كان هناك دكتور غرام لذهبت إليه و أعترفت له بأنى مريض بأنيميا الحب
رباه .. ماهذا الأحساس الغريب الذى أنتابنى ! و لماذا أمكث وحدى بهذا المنزل العتيق العريق ؟
لماذا أبتعدت عن أصدقائى , أقاربى , أحبائى ؟ !
و لماذا هذه القلعة التى أختبئت بها بعد وفاة والدىٍِ رحمهما الله ؟! أعلم أنه الانطواء بمرارته بل هو أن صح التعبير الموت البطئ بغفوته ..
ولكن الأن سأهدم هذه القلعة سأدك حصونها سأدمر مفعولها ..
******
أتجهت مسرعا أتناول هاتفى أبحث فيه عن بضعة أرقام .. أنهم أصدقاء ( الطفولة والمراهقة والشباب ) , كم أتوق لرؤيتهم ومجالستهم .. حقا أنا الأن فى حاجة إليهم , قلبى يدق مصدرا أصواتا كذبذبات الهواتف عندما توضع بجانب أجهزة ألكترونية , تنتهى الذبذبات بمثابة أن يتنبه لها أحد فيستجيب لألحاحها .. هكذا قضى صديقى على ذبذباتى بأستجابته لأتصالى ..
تجاذبنا وصلة ملتهبة من الأشتياق ومرارة الفراق ولكنها أنتهت بأعتذاره عن مقابلتى نظرا لأنشغاله فى عمله , هكذا أجرب مع الرقم الثانى والثالث والـ ـ ـ ـ
الجميع مغمورين فى حياتهم بعد الزواج إنها دوامة الحياة فلا عتاب عليهم بل يجب محاسبة نفسى أولا , فأنا الذى أنغمست فى عملى فى أزهى سنوات العمر حتى ضاعت , و تباطأت عن الزواج حتى وصل سنى للثلاثون دون أن أنجز شئ يذكر , مجرد وظيفة توفر لى النقود اللازمة للمعيشة .. لا معنى للحياة فى نظرى فلا جديد بها , اليوم كالأمس و هو صورة من الغد , لقد أصُبت بحالة مزمنة من السأم فلن تكفينى أقراصى هذه المرة ..
ينادينى أذان العشاء فأستجيب له وهو يقول حى على الصلاة .. حى على الفلاح , قمت فتوضأت لأصلى وقد كلمت الله فى صلاتى و أنا أدعوه بأن يشفى قلبى المكلوم وما أن أنهيت صلاتى حتى أشتقت لأن يكلمنى الله فتناولت المصحف و جلست فى خشوع أتلو أياته وكانت فى سورة الروم حتى وصلت للأية رقم ( 21 ) فأنفرجت أساريرى وأخذت أعيدها على أذنى مرارا وتكرار ..

{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } صدق الله العظيم .

أهتز قلبى راقصا لهذا المعنى ولم أتردد فى أن أطلبها من الله .. طلبتها بصدق نية وكلى ثقة بأن يجمعنى القدر بشريكة حياتى وحلم عمرى بأن يهدينى لأجد سكنى و دنيتى الجديدة ..

***********
مرت الأيام و أنا أنتظر هذا اليوم وأتخيل هذه اللحظة التى ألتقى فيها بحبيبتى فأصرف لها رصيدها من المشاعر المخزونة طوال سنوات العمر التى مضت , أسلمها مفتاح قلبى فيصبح لها وحدها بنكا للحب ولكن يبدو أننى مازلت أعيش أوهام المراهقة وتمنيت أكثر مما يجب و كأن الأيام تعاندى , فمازلت أذهب لعملى صباحا و أقضى ساعاتى مع أقراص الحب ليلا .. لم أيئس وكررت دعائى فى جميع صلواتى بصفة يومية حتى كان هذا اليوم المشهود !!
أستيقظت من النوم فى موعدى ولكن شعور غريب يتملكنى أحساس جميل لا أفهمه وجه ملائكى لا أنساه .. أنه حقا حلم ولكنه أجمل حلم رأيته ومازال عالقا بذاكرتى فى يقظتى , لكن سأترك هذه
الأوهام الأن حتى لا أتأخر عن موعد العمل ..
ذهبت لعملى وأنا شبه مغيب عن الواقع بصلابته .. لا أعلم سر الراحة النفسية التى
أعيشها فى هذه اللحظات !!
مرت ساعات العمل لأول مرة وأنا لا أشعر بها ولكن يشعر بى زملائى فى العمل .. لم أنتهى من تلميحاتهم وغمزاتهم و أصرارهم لمعرفة سر حالتى .. أنا نفسى لا أفهم ماذا أصابنى بعد رؤيتى لهذا الحلم !!
خرجت من الشركة وقررت أن أكسر روتين يومى فدلفت من شارع – خالد بن الوليد – بالأسكندرية قاصدا البحر الشاهد على أحلامى وطموحاتى منذ الصغر, ذهبت إليه أختبر ذاكرته فجلست على الصخور أنظر إليه فى صمت وفجأة تلاطمت أمواجه على الصخر من حولى , أيقنت أنه قد رأنى ويتراقص
فرحا بى أنه يشعر بوجودى يفهمنى يفرح من أجلى ..
أخبرته بكل ما مررت به منذ لقائى الأخير به و وعدته بأن أبوح له بكل أسرارى فيما بعد ..
عدت إلى منزلى و قررت أن أجدول أيام الأسبوع للتوفيق بين عملى و مزاولة هواياتى السابقة المحببة إلى نفسى , ولم أنس أن أخصص يوم عطلتى لزيارة أقاربى الذين تناسوا صلة الرحم وظنوا
أنها كانت تربط بينهم وبين والدى ٍ فقط ..
هكذا كانت أيامى عندما قررت النفاذ من دائرة الوحدة , يزينها الحلم الذى كنت أنتظره كل ليلة ولكنه لم يتكرر سوى مرات معدودات أكتملت فيها صورتها .. قرأت فيها جمال الروح ورقة المشاعر .. عاودت الذهاب للصخرة أوفى بوعدى لعلى أجدها هناك .. سألت صديقى المخلص هل رأيت هذا الوجه الملائكى الذى وصفته لك ؟؟ هل مرت على شاطئك منذ أن ولدت فى هذا المكان ؟؟
أنسحب البحر بأمواجه من حولى وأنا أعلوه فتلفت حولى فى رجفة و أنا أنظر أليه وقد أيقنت أنه يخجل أن يجيبنى , أنسحبت أنا الأخر وخيبة الأمل تملؤنى ..
مرت شهورا وأنا أراها فقط فى أحلامى فى خيالى .. حفرت ملامحها فى ذاكرتى
وكأنها قضت معى دهرا ..
عشت أسوأ فترات حياتى فيا لمرارة الأحباط , وها هى المصائب لا تأتى فرادى كما يقولون فأذهب لعملى فى أتعس أيامى لأفوجئ بالخبر اللعين..
لقد تم خصخصة الشركة وللأسف تم الأستغناء عن بعض الموظفين وكان أسمى واحدا
من هؤلاء البؤساء فى هذه اللحظة شعرت بأن الأرض ضاقت على بما رحبت لقد فقدت كل شئ فى غمضة عين لكنى أخذت قرارى وحسمت أمورى فى ذات اللحظة فلمن أبقى هنا وعلى ماذا أبكى .. لا جدوى أذن
من بقائى .. سوف أرحل سأغادر البلاد تاركا فيها حطام ذكرياتى وبطلة أحلامى ..
لم أتردد ولم أتوان فقررت أن لا تضيع برهة من عمرى هباء بعد الأن هكذا أتجهت لأقرب مركز أتصالات وطلبت تحويل مكالمة بألمانيا .. أنه صلاح أخى الوحيد , كان أنصح منى وفعلها منذ سنوات لم أستمع إليه ولم أقتنع بكلماته وقتها .. الأن فقط أراجع كلماته أتذكر توسلاته ..
أتناول الهاتف فألتقط أطراف حديثه .. أحسست بأنه طار من الفرحة وحلق بسماء برلين عندما أعترفت له برغبتى فى السفر والأقامة معه , لمست من صوته الحنين والرغبة الشديدة فى أن أشاركه غربته حتى تصبح وطنا صغيرا لنا .. شجعنى صوته الدافئ وحماسه الدافق وزاد من أصرارى على السفر , طلب منى أستخراج جواز السفر ولا أشغل بالا بالأمور الأخرى من فيزا و أقامة وخلافه فله علاقات طيبة داخل مصر وخارجها .. عجبت من سهولة الأجراءات و أستخراج الأوراق اللازمة , لم تعترض الظروف طريقى ولم يفلح الروتين فى عرقلتى كما أعتدت !!
هكذا حزمت حقائبى ولملمت بقايا ذكرياتى .. جمعت بعض الأشياء والتى كانت ترمز لفترات عشتها فى حياتى مع أعز أصدقائى ومع غيرهم .. أتجهت للشرفة و أطللت برأسى وشردت للحظات رأيت فيها سنوات الطفولة .. هنا عندما كنت صغيرا أجرى وأمرح فى كل مكان ولا أنسى صوت والدتى الحنون و لكنها كانت تصرخ فى : كفاية لعب بقى يا فارس .. أطلع يلا الغدا جاهز ..
أبتسمت فى ثقل وأنا أدعو لهما بالرحمة .. حملت متاعى وغادرت الشرفة و أحكمت غلق كل ما يجب غلقه هنا ونظرت لأجواء منزلى فى شماتة واضحة , سأتركه يعانى مرارة الوحدة .. بعد قليل
سيدرك كم عانيت هنا وحدى ..
الأن أنا جاهز للرحيل وقراراى الأول هو المغادرة دون أن أخبر أحد , فكم أكره لحظات الوداع لما بها من إلام الفراق , فهى كمسيرة تشييع الجثمان ما أن ينزل قبره حتى ينصرفوا جميعا ويتركوه وحيدا ..
لا أريد أن أتذكر شئ فى رحلتى , فقط سأخطط لما هو قادم ولن أنظر
للماضى بعد الأن ..
********************
أستقللت سيارة أجرة لتقلنى إلى مطار النزهة وقد ساعدنى السائق فى تحميل حقائبى بسيارته و أنطلق بى و أطلقت لخيالى العنان أفكر فى موطن النازية و فى أخى الذى لم أره منذ سنوات وفى حياتى الجديدة ولكن الواقع يتدخل ليعلن عن نفسه فيمرر على ناظرى بعض المواقع وأنا فى طريقى للمطار
و قد كانت شاهدة على بعضا من ذكرياتى .. هنا يغير خيالى أتجاهه ويرمح للخلف .. للماضى البعيد لسنون الطفولة والمراهقة .. ولكن الأن وصلت للمحطة الأخيرة ها هو المطار أو كما أسميه
القفص االعملاق لطائر الرخ ..
أنتظرت فى صالة الأستقبال اتأمل من حولى وهم منهمكون مع ذويهم ممن جائوا لوداعهم فوجدتهم يتسامرون ويضحكون ثم يتذكرون اللحظات القادمة فيحتضنون , تلفت حولى لأرى رفقاء الرحلة ولكنى أيقنت أن ليس جميعهم من محافظتى الجميلة وتبين لى ذلك من ملبسهم وملامحهم , ليس هذا يهمنى كل ما يهمنى أن أرحل من هنا ..
******
و جاءت اللحظة المنتظرة وتم السماح لنا بالدخول لمراجعة جوازات السفر والفيز وبالطبع كنت أول الطابور وتركت الباقون منغمسون فى الأحضان والقبلات , مرت اللحظات فى أمان وكل شئ كان على مايرام فقط جلسنا مرة أخرى فى أنتظار الطائرة ولكن دون أقارب أو أحباب وهذا كان سببا فى أن يتطفل على نوعية خاصة من البشر لا أطيقها .. أين تذهب فى المانيا ولمن ولماذا و .... أخيرا سمحوا لنا بالصعود على متن الطائرة ..
صعدت سلم الطائرة فى عجل واضح لكنى بحثت عن مقعدى فى هدوء حتى وجدته فجلست به ولحسن حظى كان يقع بجانب نافذة الطائرة و هذه كانت هوايتى منذ الصغر وهى الجلوس بجانب نوافذ المواصلات ومتابعة العالم الخارجى من خلالها ..
كل شئ يمر فى نظام وأمان مما يثير قلقى ! ها هى الطائرة تستعد للأقلاع ونستعد معها ولم ألتفت حتى لمعرفة الشخص الجالس بجانبى فكنت مندمج كل الأندماج مع المشهد الخارجى وقد بدا فى التحول لعالم مصغر .. مرت دقائق معدودات وكنت أتابع السماء فى لحظة الغروب فتحسست النافذة بأناملى وكأنى أحاول أحتواء السحب بقبضتى , فقط يشوش أفكارى حركة المضيفات وحضورهن المتكرر لأبداء أهتمامهم بنا , لو تركوا لى باب التسمية لخصصت لهن لقب – ملائكة الرحمة - عاودت النظر من النافذة تارة ومتابعة الحركة هنا تارة أخرى , أنه حقا لمشهد رائع فقد خيل لى أن بأمكانى ملامسة القمر عندما يظهر ولكــ ـ ـ ـ ن القمر ظهر فعلا ! يا إللهى أنه بالفعل معى فى هذه الطائرة
أنــــــــــــه .. أنـ ـ ـ ـــه هى !!!
رباه .. ماهذا ؟ هل مجرد تشابه أم هى حقا !! أقسم بأن هذا الوجه المقمر هو ما رأيته بالفعل فى أحلامى ولكن لماذا توارت هكذا عندما رأتنى لماذا أختفت !! يبدو أنها أحلام اليقظة أو قد أصابنى الدوار ..
أصابنى شبح التوتر .. أشعر الأن بأنى أحدثت ضجة فالكل يتلفت وينظر تجاهى ولكنى لم أبالى .. نعم يجب أن أتأكد بنفسى مهما كان الثمن ..
حاولت التحرر من قيودى لأغادر مقعدى ولكن منعتنى هذه المضيفة وقد عرضت على خدماتها , فقط سألتها من هذه المضيفة التى كانت تقف هناك منذ قليل - و أشرت لها بأصبعى إلى المكان الذى كانت تقف فيه – نظرت لى فى أرتباك وقد خرجت الكلمات من فمها فى نسق التهتهة فقالت :
أ تـ قـ صـ د أحلام ؟؟ قلت لها نعم أقصدها , من فضلك أريد التحدث إليها ..
سألتنى فى فضول : هل تعرفها ؟؟ فجاوبتها فى شرود : لا أعرف غيرها ..
ذهبت المضيفة وقد أستغرقت وقتا ثم عادت وحدها لتصدمنى : عذرا أحلام مشغولة الأن
ولا يمكنها الحديث معك ..
رفضت هذا الوضع و ألححت فى طلبى فألتف حولى جمع من مضيفات الطائرة دون أحلام , لا أعلم لماذا تتهرب منى وكأنها تعرفنى ! أشتد وأحتد النقاش وكدت أن أقتحم المكان للذهاب بنفسى .. منعونى فحاولت ولكن أوقفنى صوت القائد الذى جاء كالبرق ليشيـع الرعب بيننا : الطائرة أصابها عطل فنى وسنضطر للهبوط الأن .. أرجو عدم الأنزعاج وكل شئ سيكون على ما يرام ..
أقسم بأن هذا لم يشغلنى بقدر تفكيرى فى أحلام , لقد رأيتها أمامى وعرفت أسمها لم يبقى سوى أن أحدثها أسمعها ألمسها ولكنى سأنتظر حتى يمر هذا المأزق لعله يكون فى صالحى ..
الفزع كان سيد الموقف فأثره كان واضحا على وجوه الركاب .. هم فى وادى وأنا فى أخر , أجلس فى صمت و لم يثير حيرتى غير رؤيتها ثانية ..
لقد ظهرت و تلاقت الأعين وظهرت حمرة الخجل على خديها الموردين ثم أختفت بسرعة الضوء !
لا أعلم هل هذا حلم أم حقيقة , هممت أن أقوم ثانية بالرغم من شعورى بالطائرة وهى تترنح بنا فمنعنىالشاب الجالس بجانبى وترجانى بأن أهدأ الأن فليس هذا الوقت المناسب .
الطائرة كانت تطوح بنا لا تترنح ولكن تدخلت العناية الألهية لتنقذنا وبدأت بالفعل تستعد للهبوط وسط حالة من الهلع أصابت الجميع , ما أن هبطت الطائرة حتى هرعت أبحث عنها فى كل مكان سألت عنها كل من يعرفها لكنها كانت بالخارج .. نعم تسللت من الطائرة بينما أبحث عنها بالداخل لقد رأيتها من النافذة تسير بصحبة هذه المضيفة .. خرجت أركض السلم ركضا و أنا أراقبها وهى تبتعد , تحاول أن تختفى عنى مرة أخرى ولكن هيهات لن يمنعنى أحد هذه المرة .. أٌقتربت منها وهى تسرع خطواتها فى تخبط .. جذبتها برفق من طرف قميصها , توقفت .. نظرت إليها وقد أصابتنى رجفة هزت كيانى بأكمله كانت تسمع دقات قلبى فتبتسم , كادت عيناى أن تدمع لا أصدق نفسى أنها هى حقا ! حلم عمرى ماثل بين يدى .. حاولت ألتقاط الحروف التى تاهت من على شفتاى و سألتها وقد غمرتنى الدهشة :
لماذا تهربين منى و أنتى أمل حياتى الذى طال أن أنتظرته ؟؟
أبتسمت فى رقة فظهرت هالة من النور حولنا , خطفت قلبى بنظرتها بلمستها بأبتسامتها
ثم جاوبتنى بصوتها وكأنه عزفا ينبع من أوتارها الصوتية : كنت أبحث عنك دوما بين النجوم عندما أحلق فى السماء لكنك كنت نجم عال أخفق دوما فى ملامستك .. ظللت بعيدا عنى تحلق فقط بسماء خيالى .. أنا لا أهرب منك بل أهرب من خيالى لأنتزعك منه .. حاولت أن أتماسك عند رؤيتك بالطائرة ولكنى أخفقت بل أخفقت الطائرة نفسها فى الحفاظ على توازنها أثر رؤيتك ..
و أختفت يدها الصغيرة فى جيب قميصها و أخرجت لى ورقة وطلبت منى أن أفتحها , نظرت إليها وقد تكاثر فيروس البلاهة بين قسمات وجهى يزيد من ذلك طلبها الغريب ولكن ما على سوى التنفيذ , فتحت الورقة وهى تتابعنى فى أبتسامة , تسمرت أمام الورقة وقد أتسعت عيناى و أرتجفت يداى , رنت ضحكتها فى أذنى .. نظرت إليها وكاد قلبى أن يقف من سرعة ضرباته التى سمعها الجميع فألتفوا حولنا .. سألتها فى دهشة
كيف تم هذا ؟ !!
فأجابتنى صديقتها المضيفة التى حالت بينى وبينها فى الطائرة : أحلام بكالريوس فنون جميلة ورسامة موهوبة من صغرها .. أحلام قررت ترسم فتى أحلامها من قبل ما تشوفه فرسمت على الورق كل اللى كانت شايفاه فى خيالها , ماكنتش تتخيل أنها ممكن تقابل صاحب الصورة دى فى يوم من الأيام .. ظنت أنها لوحة كباقى اللوحات التى ترسمهم وتملأ بهم مرسمها الصغير ولكنها وجدت فيها مايجسدها عن باقى لوحاتها ..
فقررت الأحتفاظ بها و لازمتها الصورة أينما ذهبت
الصورة تشبهنى حقا وكأنها رسمتها فى حضورى ! هل هذا حلم جديد أم واقع !! لم أصدق نفسى .. أعجز عن وصف سعادتى أين أنت أيها البحر الأن .. رفعت رأسى أشكر الله على ما أنا فيه ..
ما أجمل هذه السحابة .. ما أروعها وهى الوحيدة بعنان السماء تشهد على تحقيق أمنية حياتى سأصعد أليها الأن سأجلس بجانب النافذة مرة أخرى و أحكى لها عما أشعر به ..
ما أجمل الحياة فى نظرى وقد ألتقيت أخيرا بنصفى الأخر ..
تسللت يداى تمسك بيداها الصغيرتين .. تبتسم لى فيتراقص قلبى من السعادة .. وعدها بأنها معى ستكون أميرة فى مملكة الحب , يكتمل المشهد بصوت العندليب الذى يأتينى
من هاتف أحد المتفرجين وكأنه يهادينى ..

حياتى دنيتى عمرى بأمر الحب مش أمرى .. بحبك حب محدش قبلنا عرفه ولا صادفه ..
بحبك حب ومش قادر على وصفه و أنا شايفه ..

الأن فقط أفهمها هذه الشفرات .. الأن فقط أستطعمها تلك المقطوعات ..
يتراقص لسان حالى معلنا للجميع أنه يتذوق هذا الأحساس المعسول .. سيظل مذاقه مختلفا
عن الأخرون سيظل منفردا بهذا الشعور الحنون ..
سيكون دوما أفصح من يتحدث عن شهد الحب المكنون ..
بـقـلـم / مــحــمـد حــــســن عـبـد الجــابـــر
T_OF_ALEX@HOTMAIL.COM









بسم الله الرحمن الرحيم

الــولــيــمــة

بينما أشتد النقاش وتعددت الأراء التى فصحت للحاضرين أنها مجرد نسخ كربونية على وريقات ملونة .. تبادر إلى ذهنى قصة كنت سمعتها ذات مرة عندما كنت صغيرا ولعل الكثير منكم يعرفها .. عندما دخل طارق بن زياد وفتح بلاد الأندلس بتكليف من موسى بن نصير وفتح معظم بلاد الأندلس إلا أن الحروب قد أنهكته ونصحه أيضا موسى بن نصير بعدم التوغل وكثرة الفتوحات وتركوا الجزء الشمالى للبلاد والتى تجمع فيها كثير من الفارين من فرنجة وقوط وأسبان وقتها , و أرسل أهل الشمال جواسيسهم ليندسوا بين عرب البلاد وينقلوا لهم أخبارهم فمر أحد الجواسيس وعلى قارعة الطريق وجد طفلا يبكى بحرقه فسأله لم تبكى؟؟ أجابه الطفل : لقد أرسلنى والدى بعشرة أسهم ولم أصيب منهم سوى تسعة أسهم فأبكى على السهم الذى أخطأ !! هنا رجع الجاسوس وقال لهم : لن نستطيع محاربتهم الأن .. ومرت حوالى عشر سنوات وعاود الجاسوس وبينما هو يتفقد الأحوال وجد أمير المدينة يبكى !! فسأله ماذا يُبكيك ؟؟ فأجاب الأمير : لقد تركتنى الجارية التى أحببتها وذهبت ! هنا عاد الجاسوس وهو يحمل لهم البشرى وقال لهم : الأن فقط يمُكننا أن ننتصر .. وهنا قطع صديقى شرودى وهو يصرخ فى أحد الحاضرين : أخرس يا عميل .. تتسائلون الأن ما الأمر ؟؟ سأخبركم ولكن ما ستقرأونه فى السطور القادمة ستكون هى البشرى التى ينتظرها العدو - أسرائيل كان أم أى عدو أخر – السطور القادمة بمثابة مخطط لو أطلع عليه أحد المعاديين لبلادنا الحبيب سينظر لمصرنا نظرة الذئب لوليمة شهية أمامه على طبق من ذهب وليس فضة .. بدأ الموضوع بخيط رفيع أشبه بفتيل جذب طرفه صديقى بطرحه هذا السؤال : أذا دخلت مصر حربا على غرار ما حدث مع البلاد العربية الأخرى ستحارب ؟؟ جاوبته .. ولكنه دعانى لحضور حلقة نقاش حول هذا الأمر .. وبدأت فى ألتقاط كلمات من هذا و ذاك حتى أصبحت جُملا فحوارا : قال أحدهم : وأنا شفت أيه من البلد علشان أحارب ؟ مش كفاية أنى خريج من سنين وعاطل !! فتدخل أخر : على رأيك اللى عايشين فى خيرها وبيسرقوها يروحوا يحرروها .. حتى لو حاربنا وأنتصرنا الوضع بعد الحرب هيرجع أسوأ مما هو عليه وهنفضل تحت وهما فوق بعد ما ندفع ضريبة الحرب بدمائنا ومش بعيد أجسادنا كمان .. قاطعه أخر : وحد يطول يموت شهيد ؟؟ بس ربنا يكتبهالنا .. فرد عليه : ولو مش مكتوب لنا الشهادة وحدث لنا كما حدث مع الكثيرين ممن فقدوا عضوا من أعضائهم فى حرب 73 وهم الأن فى حسرة على أحوال البلد التى جاهدوا من أجل رقيها ؟! فقاطعهم أخر : الثواب عند الله عز وجل ولسنا فى أنتظار مقابل من أحد فنحن ندافع عن أرضنا وأهلنا ومالنا .. إليس هذا كلام رسولنا الكريم (ص) ؟؟ وأيده فى الرأى أخر : وقتها يا عزيزى لن نفكر سوى فى أمهاتنا وأخوتنا .. فتسونامى الخراب لن يفرق بين غنى وفقير والأغتصاب لن يرحم صغير أو كبير وأظنك قد رأيت هذا من قبل .. وتدخل أحدهم فى ثورة : لو كنت تعرضت لتلفيق القواضى وتذوقت الظلم ووقفت مكتوف الأيدى عاجز عن أسترجاع حقك ما كنت تفوهت بهذه الكلمات .. واحد كاره البلد يحارب أزاى ؟ فعنفه صديقه : أخرس يا عــــــــمـــــيــــــل !! تطور الأمر وتدهور أسلوب الحوار .. أنصرفت وزخم الأفكار قد تملك رأسى وبحس صحفى ذهبت إلى أحدى المقاهى بعد أن أجتمعت بأصدقائى وطرحت عليهم نفس السؤال وجلست صامتا أتابع الأراء التى حيرت أصحابها كثيرا قبل الإدلاء بها !! وجاوبنى أحدهم : هحارب - فأنفرجت أساريرى و لمع بريق عينى – بس لما أشوف خير البلد .. ( فعادت ملامح وجهى لوضعها السابق ) ... وتدخل أخر : نحارب وبعدها نصفى خلافنا وكما يقول المثل الشهير : – أنا وأخويا على بن عمى .. وأنا وبن عمى على أسرائيل .. – وسألت صديقى الجالس بيمينى الذى ألتزم الصمت : وأنت أيه رأيك ؟؟ فرد دون أكتراث : هحارب وأنا مخنوق !! فوجهت السؤال فى نظرتى لصديق أخر فقال : لما يجى وقتها .. فقد تمنعنى حالة والدى الصحية من التطوع .. فضحك أحد الجالسين وقال له : ومن قال أنهم سيتركوا فرصة للتفكير ..أنها حالة حرب .. فرد سقراط الشلة : بسيطة يـُصيب نفسه بأى جرح ويلزم فراش العيادة أذا أجبروه على الحرب !! وجهات نظر عديدة تؤكد أنه موضوع فى غاية الأهمية والأمر لم يحُسم بعد .. والأن أريد أن أسال كل من قرأ هذا الموضوع نفس السؤال وأستمع لأرائكم مع الأخذ فى الأعتبار عند أجابتك على السؤال أذا فكرت قبل أن تجيب فحقا مصر فى خطر أما أذا كانت أجابتك ولو بعد تردد لصالح حزب الأغلبية فلن أقول لعدونا

سوى جملة واحدة :

مكان مــا يــســرى يــهــرى !!!


بـقـلـم / مــحــمـد حــــســن عـبـد الجــابـــر
T_OF_ALEX@HOTMAIL.COM

Friday, April 27, 2007

بسم الله الرحمن الرحيم

مسرحية واقعية بعنوان



حروب البلطجية أثبتت كفاءة الداخلية !

المشهد الأول : هبط الليل حاملا على جناحيه سكون الظلام لا يشوبه سوى حركة المارة فى أنتظام وهم عائدون من أعمالهم حاملون أكياسا صغيرة تحوى وجبات العشاء التى ينتظرها أطفالهم لتناولها قبل أن يغطون فى نوم عميق .. هدوء الموت يخيم حول المكان و أذا كنت من ذوى الحاسة السادسة لتنبأت بأنه الهدوء الذى يسبق العاصفة , يشاء القدر أن أقضى هذه الليلة فى منزلى وهى ليلة الجمعة من شهر أبريل , أقبع فى حجرتى أمام جهاز الحاسوب أنجز بعض أعمالى ..
الساعة الأن الواحدة والنصف صباحا و كل شئ على مايرام .

المشهد الثانى : فى لحظة خاطفة أخترق هذا الهدوء صوت قادم من أقصى اليمين ولكنه
لا يقترب فقط يكتفى بالتمركز فى مكانه .. الصوت كان لشاب يصرخ فى نغم حماسى :
مابقاش راجل لو سيبتك !!
لم أبالى ولن أهتم بمثل هذه المهاترات فقط حدثت نفسى فى صوت خافت ..
كلها بوقبوق ( كلامنجية يعنى ) .
أستمررت فى عملى مع وجود علاقة طردية بين تزايد الاصوات القادمة من اليمين والقادمة من اليسار .. ثمة حدث شتت تركيزى و لكنه أمر أعتدنا عليه كل فترة زمنية ليست بطويلة نشوب مثل هذه الأشتباكات ولكن سرعان ما يتدخل – ولاد الحلال –
و ينفض مولد الغضب ..

المشهد الثالث : أصُـر على تواصلى مع جهاز الحاسوب رغم تداخل الأصوات اليمينية واليسارية مما يؤكد أشتباك الجبهتان .. تعالت الأصوات .. أرتفعت الصيحات ..
أستيقظ النوام .. أضُيئت الأ نوار و أكتظت الشرفات ..
مازلت متمسكا بموقفى فلم أتزحزح عن مقعدى فحتى هذه اللحظة لا يحدث أى جديد و هذا ما أعتدنا عليه , ومازلت أأوكد - ولاد الحلال فى الطريق –

المشهد الرابع : مر الوقت ويزداد الوضع سوءا فدب فى أعماقى شعور بأن جهاز الحاسوب لو به أوبشن أستشعار الحدث لصرخ فى وجهى يجبرنى على الذهاب لتفقد الأحوال خارج غرفتى والتى تطل بنوافذها على أرض المعركة .. أخيرا تركت ما أنشغلت بعمله و بدأت أتابع الوضع ليس شغفا فى متابعة الأحداث و لكن أنشغالا بتسلسل الأمور فالصرخات وصلت للحد الكافى لأيقافى عن العمل ليست مجرد صرخات ولكنها أستغاثات ممكن وقعوا فى أيادى الجبهة المضادة .. أصوات تهشيم لم أسمعها من قبل ولم أرها قط فى أى فيلم سينمائى .. أيقاع موسيقى مرعب بين التهشيم والصرخات والأستغاثات , أمـُيـل برأسى لأجد والدتى العزيزة و يصعب و صف ملامحها أينذاك تحدثنى .. فقط ما أستنتجته من حديثها بعض الكلمات المبهتة المتقطعة حاولت تجميعهم سويا فكانت جملة .. والدك مازال بالخارج ولم يأت بعد !!

المشهد الخامس : قفزت من مكانى و نظرت فى ساعتى فكانت الثانية والنصف بعد منتصف الليل .. تذكرت موعد عودة والدى وهو الثانية صباحا وعمله يبعد حوالى عشرة أمتار عن واقع الأحداث .. تسربت قشعريرة فى جسدى و أيقنت أن ما حدث فى النصف ساعة الماضية كان بمثابة حطب جيد لتغذية نيران الأنتقام و أشعالها حتى وصلت لقمم المنازل المجاورة فتلفح المطلين منها ليسرعوا بالاختباء مرة اخرى .. هرولت لأستكشف كيف
وصلت قوالب الطوب و القطع الزجاجية لنوافذ غرفتى و أنا الذى أقيم بالطابق الخامس !!

المشهد السادس : قادنى الفضول للحماقة فأخرجت رأسى قليلا من نافذة غرفتى لأستطلاع الأمر و لكنى سرعان ما تخلصت من هذا الوضع المشئوم ففوجئت بالمنازل المجاورة بل الملاصقة لمنزلنا و قد نظرت لأحدهم و بالأحرى الذى كان على يسارى فوجدت شابا يتحصن بأعلاها يحمل بين ضلوعه الروح الفلسطينية مع أضفاء الروح المصرية فتمسك أحدى يداه بقالب طوب والأخرى بزجاجة ويقوم بتطويحهما فى أتجاهى حيث يتمركز أسفل منزلى حزب اليمين فأيقنت أنه من حزب اليسار .. لم يشغلنى هذا بقدر أنشغالى على
والدى , فالوقت يمر و لهيب المعركة تحول لبركان غضب .. خلفت الأمر ظهرى وهرولت قاصدا الخروج لأرض المعركة ليس مشاركة فيها و لكن فى محاولة للبحث عن والدى ,
لم تعرقلنى سوى كلمات والدتى فى الهاتف والتى قرعت مسامعى ...

المشهد السابع : كان الأتصال الهاتفى بالنجدة بعد أن كانت الأولى بوالدى الذى لم يلبى نداء الهاتف وقد أندهش البيه الضابط وقال لوالدتى هذه سابع مكالمة تصلنى من الأهالى .. تناولت الهاتف و قد تطور الأمر فظهرت أصوات طلقات نارية أختلطت بأصوات التهشيم الذى أستمر قرابة نصف ساعة متواصلة فسأل البيه الضابط
الذى أكن له بالطبع كل تقدير لموقفه :
إليست هذه معركة بين عائلات ؟؟ أنا عارفهم دول عالم زبالة ولاد ...
فأجبته : يا بيه ما نعرفش مين نعرف أن فيه تدمير .. تخريب ..
و توافقت صرخات صاخبة مع الطلقات النافذة والمكالمة ما زالت مستمرة ..
الباشا الضابط : أسمع طلقات نارية و صراخ .. والله ما هسيبهم انا جاى حالا ..
ولعلمك أنا أقيم بالقرب منكم و على دراية بأمر هؤلاء الأوباش ..
قلت لى أين موقع المعركة بالضبط ؟!
أغلقت الهاتف و أنا أعلم أنه لا فائدة سوى الذهاب فى رحلة البحث عن والدى ...

المشهد الثامن : عرقلتنى هذه المرة والدتى و شقيقتى بعد أن قامت الثانية مفزوعة من نومها وهما يحاولان منعى من الخوض فى مثل هذا الأشتباك النارى و أصرت والدتى محججة قولها بــــــ .. يبنى البوليس بيجى ياخد الكل وهياخدك معاهم أعد دلوقت ..
فجاوبتها فى بلاهة : لا من الناحية دى أطمنى خالص .. ولكنى تراجعت بسبب مخاوفى من أن يقتحم متسلقى الأسطح منزلنا وانا بالخارج فمن الواضح أنهم تمكنوا بالفعل من ذلك فى العديد من المنازل المجاورة وتم الأستيلاء مؤقتا على أسطح هذه المنازل كحصن لهم يواصلون منه محاصرة من بالأسفل فأحكمت غلق جميع النوافذ , و واصلت مسيرتى و أنا لا أعلم هل حقا سأعود أم ماذا يخبئ لى القدر فى جوبعته .. ليس و لو ذرة شك فى أن تتحقق كلمات والدتى ولكن فى كتلة أحاسيس بأن شيئا ما سيحدث بمجرد مواجهتى للحدث ...

المشهد التاسع : قفزت السلالم قفزا و كلما أقترب أصطدم بأحد جييرانى يمنعنى محاولا أقناعى بالرجوع عما أنوى عليه ولكن قابلته دون أكتراث حتى وصلت أخيرا لباب العقار الحديدى والذى كان مغلقا بأحكام .. كان فى مواجهته باب اخر حديدى يتكدس خلفه رجال يحاولون متابعة الأحداث .. تجولت بناظرى من خلف القضبان الحديدية فوجدت أن الجبهة اليمنى ما هى إلا خليط من الشباب والرجال أعرف الكثيرون منهم .. حدقت فيهم النظر .. أنهم أبناء الشارع و المناطق المجاورة مزجهم فى بعض خلاط الانتقام .. أقتحم عم محمد
– جارى - شرودى بفتحه للباب عنوة قاصدا الخروج فيجرى مسرعا فى محاولة يائسة لأنقاذ سيارته فأنطلقت خلفه , أقتربت أكثر من المشهد جذبت بعنف أحد المحاربين أقصد الواقفين وهو يعرفنى جيدا وهذا ما أعطانى الأمان لفعلتى .. سألته عن والدى فأرشدنى مشيرا بأصبعه تجاه الضفة الأخرى , وقفت مندهشا اتأمل الوضع فى ضوء الأسلحة البيضاء التى تقبض عليها أيديهم و قد أخذ بعضهم قطعا خشبية مسطحة لحماية وجوههم ..
يا للهول من أين أتت كل هذه الوفود !!
أحسست بأنى أتابع مشاهد من تصوير حرب طراودة ! و فجأة بدأوا يتقاذفون بوابل من الزجاجات وشنوا هجمة عنيفة جعلتهم تقدموا للأمام فجاءت فى صالح والدى الذى أستطاع العبور فى هذه اللحظة فجذبته تجاهى محاولا أبعاده عن هذا الوابل الزجاجى الذى سرعان ما وصل إلينا فتغيرت حركة الهجوم و تداخلت الجبهتان و هطلت السماء بالزجاجات كالثلج !! تسقط من أسطح المنازل فتتهشم على الرؤوس يلاحقها قوالب من الطوب والتى أراها قطعا صغيرة حولى , أخذ كل منا ساترا و ما أحوجى الأن لقضبان هذا الباب الذى أقف أمامه لم أتردد فتراجعت سريعا وانا اجذب معى والدى نظرا لسرعة البرق التى تحرك بها المحاربون و أغلقت الباب و تابعنا المشهد الرهيب و بعد قليل هدأت العاصفة الحجرية رضوخا لأصوات الطلقات النارية التى ظهرت ثانية و لكنى أستبشرت أنها تنطلق من طبنجات ميرى ..
ولكن قمة الحماقة هى ذكر كلمة بشرى فى هذا الموقف !!

المشهد العاشر : خرجت ثانية و لكن لمسافة قصيرة أمام منزلى و بأشد القرب من جموع المحاربين أتابع تحركاتهم وتعبيراتهم أبحث بينهم عن – ولاد الحلال – لا تتعجبوا ..
ألن أكرر لكم كلمة الحماقة مع تصرفاتى !!
جذب أنتباهى موقف كنت سأفتقده حقا أذا لم أدرجه مع هذا المشهد .. يأتى من أحد الأزقة شباب يحملون فى أياديهم صناديق تشبه صناديق المياه الغازية و أجولة و أكياسا وعالما
أخر .. أقترب هؤلاء الفتية و أفرغوا كل ما تحويه هذه الأشياء فكانت زجاجات خمور فارغة وبدأوا دون سابق أنذار المشاركة فى الأشتباك فأشتد ثانية وتزايد لهيب الغضب و كأنها قطرات الخمر وليس لتخفى أبليس بيننا , و للمرة الــــ .. تراجعنا نحن المسالمون للأحتماء ولكن فى هذه المرة دفعنى للخارج جارى القبطى الذى يسكن معى بنفس العقار
محاولا الخروج وهو فى حالة ثورة و هياج شديدين !!

المشهد الحادى عشر : جذبته من طرف قميصه محاولا أدخاله و أغلقت علينا
الباب فى محاولة للتفاوض ..
فعنفته : ماذا ستفعل أيها المجنون أذا خرجت فى هذه اللحظة سأخرج بعدها لحملك
على ظهرك والعودة بك !
فصرخ مينا : لقد تهشمت سيارتى و سأخرج و أقودها بعيدا عنهم ..
هو ينفع اللى أحنا فيه دة بس !!
لا أعلم هل ترك الشيطان أرض النزال و كان لديه الوقت لينفخ نفخة أخرى بيننا ؟!
لقد تدهور الأمر فيتزايد بالخارج ويلتهب بالداخل فخرج من حولى بعد أن فاض بهم الأمر , كل منهم فى محاولة بائسة للبحث عن أخاه أو أنقاذ سيارته أو ...
تلفت حولى ولكن أين أبى أين جارى القبطى أين عم محمد جارنا أين أين ..... إلخ .
كل منهم فى مصيبته كل منهم يحدث نفسه .. تفرق الجميع ممن كانوا حولى و تخبط من كانوا أمامى بالخارج , لا أحد يسمعنى ليس هناك من يشعر بوجودى .. شعرت بأن روحى وقد تحررت من جسدى .. ماذا حدث هل نحن فى يوم الحشر ! ها هو صوت مينا يعود ليرن فى أذنى أنه حديث مع البيه الضابط و لكنه باشا غير الباشا الذى حدثته منذ فترة طويلة
و لم يأت والصراحة .. كلهم باشوات فعلا !
صرخ مينا وقد أحمر وجهه وبرزت عروقه :
حرام عليكم حد يجى ينجدنا بقى أنتوا مستنيين ايـــــــــــه ؟
الباشا الضابط سأله سؤال وجيه : أصف لى مكان الخناقة !!
راجعت ذاكرتى .. فمنذ حوالى الساعة تلقى الضابط سبع مكالمات هاتفية و الأن و بعد ماحدث وتزايد الأتصالات يسأل الباشا الضابط مكان الخناقة فين !!

المشهد الثانى عشر : نفذت زجاجات الخمر بعد أن تهشمت جميعها و تضائلت قطع الطوب المتساقطة من السماء وهدأت المعركة ليس أكتفاء بأشباع غريزتهم فى الأنتقام و لكن لضمور وسائل الحرب الأهلية الناشبة وبدأ الجميع فى التراجع و هنا حانت اللحظة الحاسمة و شنت الشرطة هجوما بثلاث مخبرين وثلاث شومات !
ولكن الشهادة لله .. ثلاث مخبرين طول بعرض بأرتفاع .. حاجة تفرح يعنى ..
ما يزيد عن عشر مكالمات هاتفية و مع دقات الموت التى عاشها أهالى المنطقة و التى سمعها معهم هؤلاء الضباط يرسلون ثلاث مخبرين لمثل هذه المعركة !!
والشهادة لله برضه - مهو مالناش غيره والشكوى لغيره مذلة – و دى مش شكوى
يا جماعة دة بس بنقل لكم صورة من واقع الأحداث و ما خفى كان أعظم فليس ما نشاهده على شاشات التلفاز هو كل ما يحدث على أرض فلسطين .. المهم يا جماعة ..
الثلاثى الشرس أول ما شرفوا رفع كل منهم شومته و هى تتراقص فى يده رقصة الموت و أتجهوا تجاه البابين الحديديين .. تعلمون عما أتحدث بالطبع .. نعم توجهوا إلينا بكلمات السب والقذف فهم لا يريدون أحدا أمامهم .. هذا الموقف ذكرنى بهذا الأشوح الذى كان يقذف بالزجاجات تجاه نافذتى .. فقد تركوا الفارين أمامهم و توجهوا إلينا !!

المشهد الثالث عشر : الحمد الله يا جماعة أتفض المولد و أخيرا ظهر - ولاد الحلال – اللى شرفونا بنبابيتهم اللى هتتصدى لطبنجات المحاربين و كله تمام و الأمن مستتب .. يلا بقى بيتك بيتك ..

المشهد الرابع عشر : أنطلق جارى القبطى تجاه سيارته القابعة بين عشرات السيارات المهشمة و قادها أمامى و أنا أتسائل عن طبيعة هذه المركوبة التى يقودها !
عنفه المخبر ( الذى ظنه مخلوق فضائى بسبب مركوبته ) وطلب منه أن ينصرف
فرد صديقى العزيز : وماذا أفعل فى هذه السيارة ؟؟
فرد المخبر فى سذاجة : روح أعمل محضر ..
ثوانى معدودات و رحل كل منا ما عدا العشرات الذين وقفوا يندبون حظهم على تركهم سياراتهم فى واقع الاحداث بالرغم من وجود نية مبيتة لهذه المعركة الشرسة ولكن الحظر لا يمنع القدر .. و تسلل لسمعى كلمات من الحاضرين أيقنت منها بأن لهذه المعركة توابع وزوابع , فلا يصح أن تنتهى مثل هذه المعركة فى جولة واحدة !!

المشهد الخامس عشر : كان هناك موعد فى الثانية بعد منتصف الليل مع أحد أصدقائى والذى سيأتى حيث العقار الذى أسكنه لنتجه سويا لقضاء أمر ما , ولكن لرحمة القدر به تعرقله بعض العقوبات فلم يأتى فى موعده بل أتى فى الثالثة و النصف صباحا و قد أتصل على هاتفى يطلب رؤيتى ضرورى !!
أتجهت إليه و قد أستدللت بعلامات الأستفهام فى ملامحه و قد دب الذعر فى أوصاله فألقيت نظرة أنا الأخر - بعد أن عاد الوضع كما كان فى الواحدة والنصف يزيد عليه ندرة حركة المارة - فوجدت أمامى شارع طوله لا يقل عن عشرون مترا مكسو تماما بقطع الزجاج المهشمة مع كثير من الحبات الطوبية المبعثرة على السطح و حولنا و التى
تملأ الشوراع المتفرعة أيضا ..
نظر إلى وهم بالسؤال ولكن سبقه به أحد المارة الثلاثة والذى إلقى السلام و
وقف يسألنا والدهشة تغمره :
ماذا حدث هنا بالضبط ؟
نظرت إليه و أنا أفكر كيف أقتضب الحديث و وجدتنى أقول له :
كل سنة و أنت طيب النهاردة كان عيد الكريسماس ..

أسدل الستار و أنتهى الفصل الأول و لكن سيستمر هذا العرض المسرحى طالما أن النفوس مشحونة بالغضب
والقلوب يحركها السخط ولا حول ولا قوة إلا بالله على حال العرب !!

ــــــــــــــــــ
كتبها / مـحـمـد حـسـن عـبـد الـجـابـر

مقر الأحداث الدامية / مدينة الأسكندرية
تاريخ الواقعة : 20 / 4 / 2007
سبب الواقعة / أخجل أن أذكره .

Thursday, March 08, 2007




بسم الله الرحمن الرحيم


اللعبة المحظورة

دقت الساعة لتشير بأصبعيها إلى العاشرة مساء وهى مكشرة عن أنيابها , لقد مقتت هذا الرقم بالتحديد , هنا تـنبه محسن للساعة فأستشعر أنها العاشرة دون الألتفات إليها , يعزى الفضل فى ذلك لساعته البيولوجية التى تدق بداخله دوما فى هذا التوقيت , هذا التوقيت الممل والذى أصبح ينتظره يوميا ولكن الملل أهون عليه من جنون الوحدة .. هكذا ترك محسن الجريدة التى كان يتصفحها ذات الجريدة يشعر وأنه قد قرأها أمس وسيقرأها الغد , لا مفر له أذن سوى أن يتجه لخزانة ملابسه ويبدل هذه التى يرتديها بأخرى تصلح لمقابلة أصدقائه .. أتجه للمراّة ليرى أن كان تغير قد طرأ على ملامحه عن الساعات القليلة الماضية ولكن لا جديد , فقط صورة أضافية تم تخزينها فى ذاكرة المراّة فيتعدى رصيده بذلك ملايين الصور فى هذه الذاكرة الخفية .. خرج محسن من حجرته يقترب من غرفة والدته المسنة فيقبل يديها ويسألها أن كانت تريد شيئا يحضره لها قبل خروجه ولكنها أبتسمت وهى تدعو له بأن تنصلح أحواله .. هكذا غادر محسن منزله مطمئنا قاصدا المقهى الذى يجمعه على أصدقائه هذا المقهى الذى أصبح تراثهم , لقد حفرت على جدرانه نقوش ماضيهم ومازالوا ينسجون فى أركانه خيوط مستقبلهم .. هو واحد من أهم مقاهى مدينة الأسكندرية , مقهى (( الشباب الخريجين )) .. ما أن وطأت قدماه أرض المقهى حتى قدم له عم حمدى - صاحب المقهى - التحية المعتادة : نورت يا بشمهندس .. فرد محسن التحية و هو يمسح المكان بنظراته : منورة بشبابها الحلوين دول سأله محسن : حد من الشلة هنـــــــــ قاطعه شريف والذى كان يقبع فى أحد أركان المقهى : شرفت يا زعيم .. تعال جنبى هنا سد خانة – كان هذا الركن هو المقابل لمكانهم المعتاد نظرا لأنشغال الأخير - و كانت المقاعد متراصة بنظام يوحى للشباب الأجنبى وكأنها قاعة أجتماعات .. سحب محسن مقعدا وجلس بجانب شريف و تجاذبوا أطراف حديث وكانوا كقطبين متنافرين فكلما أقتربت أرائهم وكادت أن تتشابه يخالف أحدهم الأخر ليثبت تفوقه الثقافى واللغوى – هكذا حال الزعامة – يحتد النقاش ويلين و معه يزداد عدد الوافدين من باقى أعضاء الشلة حتى كانت العاشرة والنصف فأكتملت الشلة كالمعتاد و أمتلأت بهم المقاعد حول شريف ومحسن وهم يتابعونهم فى تركيز تام .. همس كريم لمصطفى مداعبا : لقد قلتها من قبل .. أنهم مولودين فوق رؤوس بعض !! قاطعهم كريم محاولا تهدئتهم : ماتشركونا معاكم يا شباب , هو الموضوع ايه بالظبط ؟! رد شريف فى أستياء : الزحمة يا سيدى .. تكدس السكان فى كل مكان !! كريم : و أيه الجديد يا شيرى فى كدة ؟ تدخل محسن فى هدوء : شريف يا حاج كريم عايز يحصر الشعب داخل أطار من اللون الأحمر .. مقتنع بفكرة تنظيم الأسرة هى سر تفتيت الكتلة السكانية .. وماذا عن الوضع الحالى ؟! تردد كريم فى الرد فجذب مصطفى أنتباههم بكلماته : أنا معك يا شريف فى أهمية تنظيم الأسرة ولكن هذا التخطيط و إ ن نجح تنفيذه معنا فسنجنى ثماره فى المستقبل .. أما فى حاضرنا هذا فالمصريون ينتظرون حلا سحريا يغيرهم دون عناء وهذا حالنا .. السلبية أبتسم محسن و قال : لقد أقتربت من الحل يا درش .. فهذا ما أفكر فيه حقا فسأله سيد – أحد أعضاء الشلة - : و ما هو ذا الحل يا فيلسوف زمانك ؟! رد محسن غير مباليا بسخريته : ماتيجوا نلعب لعبة ( أعـدة الوزراء ) سأكون فيها رئيس الوزراء و تصنيفكم سيكون أقرب مايكون لشهاداتكم الجامعية أو حسب ميولكم فكل واحد منكم يقوم بأختيار العمل الذى يود أن يكون وزيرا له و سأقوم بطرح الأفكار وكلا منكم يساهم فى الحل من خلال وزراته التى يــ مـ ثـ لـ هـا - نطقها محسن متقطعة أثر ملاحظته لنظرات التعجب فى أعين أصدقائه - فتسائل مندهشا : ماذا بكم ؟ ولماذا هذه النظرة والتى توحى بأنى عبد الناصر عندما فاجأهم بقرار تأميم القناة ؟! موافقون أم .. ؟؟ أنقضت لحظات قليلة فى صمت التفكير ثم وافقه البعض يغلبهم فضول التجربة وتردد قليلون ولكن رأى الأغلبية دائما يفرض نفسه على الجميع .. وهنا زمجر شريف – الذى تحمس للفكرة – وقال : بداية القصيدة .. لماذا أنت رئيس الوزراء ولا هى ديكتاتورية وخلاص ! محسن : وأذا منحتك اللقب فأين الحيثيات التى ستطرحها علينا للمداولة و أستطرد محسن دون أكتراث لغضب شريف المكظوم : و الأن فلنحُضر بعض الوريقات والأقلام اللازمة بعدها يأخذ كل منا مقعده حول هذه المنضدة لنحدد الأدوار ونبدأ الحوار .. ( تطوع أثنان من الشلة وذهبوا لشراء المطلوب هكذا قررت الشلة خوض المغامرة وماهى إلا معدة خاوية تبتلع الوقت فى جوفها فتشبع رغباتهم المكبوتة فى الحوار و النقاش , أختار ثمانية منهم أسماء لوزارات يرئسونها بينما حار الباقون فصنفهم محسن حسب أغراض القضية ) محسن : حسنا .. أنت يا أشرف ستمثل وزير المالية ( كان هذا سببا فى رسم أبتسامة عريضة على وجه أشرف ) , و أيهاب وزير النقل , أما أيمن فوزير الداخلية .. - هكذا أكتملت تقريبا أغلب الوزرات المطلوبة فى جلستهم ولكن يبقى عماد الذى لم يعرف دوره فى هذه الجلسة حتى الأن - فقال شريف فى مكر : وماذا عن عماد يا زعيم ؟ صمت محسن برهة ثم قال : ليس شرطا أن يكون وزيرا فلست ملزم بالواقعية التامة ولكن لابد من أختياره فى دور هام بهذه الجلسة , و حملق محسن فى وجه عماد و قال : سيقوم عماد بدور المفتى فسنحتاج إليه كثيرا فى هذا الأجتماع - دائما يترك عماد ذقنه غير حليقة و كان هذا وراء أختيار محسن له فى هذا الدور وبذلك تكون أكتملت كل العناصر المطلوبة تقريبا – و أخذ محسن بتسجيل هذه الأدوار وربطها بأسمائهم الحقيقية فى الورقة المستسلمة أمامه , و هم ببدء الجلسة ولكن عطله شريف معاندا : ها تشربوا أيه يا بشوات ؟ ثم أطلق قذيفة صوتية من حنجرته : سعيــــــــــــــــــــد – فأنتبه إليه سعيد و قد كان مندمجا مع مباراة جون سينا و جون مايكل حاله كحال باقى الشباب المتناثرون هنا وهناك يتابعون المصارعة فى شغف – 4 شاى بالقرنفل و 4 بالنعناع و 4 أمريكانى سادة يا برنس .. وعاد الصمت على هذه المنضدة حتى أنتبه الجميع لمحسن الجالس عند رأس طاولة المفاوضات متقمصا بذلك روح القائد ثم قال فى ثقة : مع تفاقم أعداد السكان المستمر نجد أنهم يتكتلون دوما فى مناطق كهذه التى نجتمع فيها الأن والسبب وراء ذلك موقعها المتميز فى وسط البلد فالأسواق خلفنا والمستشفيات حولنا و المواصلات إلى حد ما متوافرة بصورة تتيح لنا الأنتقال إلى حيث نشاء , كل هذه الميزات تدفع الشعب للتكدس فى مثل هذه المناطق رغم أنها أيضا السبب فى الأثمان الباهظة التى يطلبها أصحاب العقارات بها .. تدخل أيهاب – وزير النقل - : هذا هو المألوف يا ريس , الناس لايهمها الثمن بقدر ما يهمهم توافر الخدمات .. وزير القوى العاملة : و ماذا عن مفتقدى هذه الأثمان الباهظة سواء من الشباب أو غيرهم يا سيادة الوزير ؟ وزير النقل : أنت بذلك ترسى بسفينة الحديث على شواطئ البطالة .. رئيس الوزراء - فى وضع التركيز والتفكير - : مممممممممممم نظر الريس ليوسف – وزير الأسكان – فقال : ما رأيك فيما سمعت ؟ فرد وزير الأسكان : هنا يأتى دورى ياريس فلا بد من أستثمار الصحراء فى بناء مدن توفر السكن للشباب بأثمان زهيدة و صمت برهة ثم أستطرد قائلا : ولكن ستظل المشكلة المقابلة وهى عدم توافر الخدمات فى هذه المدن و بُعدها كل البعد عن جو الحضر وروح الحياة المدنية فجذب منه وزير الأستثمار أطراف الحديث : يجب أن نكون فريق عمل و كلا منا يتفانى فى تخصصه , فعند بناء هذه المدن يقوم وزير النقل بدوره فى أمداد خط من النقل العام لهذه المدن هكذا يظهر دور وزير الصحة من توفير الخدمات الصحية من مستشفيات وخلافه ولا نغفل دور وزير الداخلية فى توفير الأمن والأمان فى هذه المناطق الجديدة هذا بالتضامن مع باقى الوزارات التى لاغنى عنها فى تعمير مثل هذه المدن الجديدة .. أبتسم الريس أبتسامة نصر وقال مخاطبا وزير الأستثمار بعد أن دون هذه الملاحظة : جيد منك أيها الوزير لفت الأنتباه لمثل هذه النقطة المهمة .. حقا تكوين فريق عمل سيفيدنا كثيرا وقد يقودنا للحل الأمثل .. وزير الأسكان : أذا الحل يبدأ ببناء مدن جديدة على أطراف المدينة ثم يتسلمها فور الأنتهاء ( قافلة التعمير ) المكونة من عدد لا بأس به من الوزراء .. هكذا يفعل المقاول عند أتمام البناء فيقوم فريق من الكهربائين والنقاشين والنجارين .. إلخ بأتمام العمل من جميع جوانبه حتى يصلح عقاره للسكن ولكن مع الفرق الشاسع لأدورانا وهى خلق مدن بأكملها تصلح لأبتلاع أعداد ضخمة من الشباب , فليس من العقل أن يبنى لى والدى فيلا فى الصحرا ويقول لى مبتسما أذهب لتسكن بها !! ( من حسن الحظ أن أفراد اللعبة هم من الشباب ذوات الخبرات السياسية القليلة و إلا كانت كارثة أن يتفوه وزير الأسكان بهذه الكلمات !! ) كان الريس يتابعه فى تركيز وفور أنتهائه قال : لقد بدأ فعلا يا خالد أقصد يا سيادة الوزير رد خالد على محسن وقد أستشعر من نبرة صوته بأنه يُـقلل من شأنه : ماذا تقصد يا ريس ؟ هنا يتدخل سعيد و يخمد نار الحوار بتقديمه الطلبات وتوزيعها متراصة أمام السادة الوزراء كل حسب طلبه وينصرف مندهشا وهو يغمغم بكلمات ترسم على وجهه علامات أستفهام فيهمس فى خفوت .. ررررررريــــ ـ ـ ـ ـــس أيه ؟ و عاود محسن حديثه متداركا الموقف وهو يعلم أن أجابته ليست بالمطلوبة لدى خالد : هذه المدن موجودة بالفعل ولعل أبرزها مدن مبارك لأسكان الشباب , هذه المدن كما تقول يا سيادة الوزير تشبه عمارة لمقاول تفنن فى أتمام الصورة الخارجية لها ولكنه أهمل فى كثير من الخدمات الأساسية التى تجعلها مأهولة بالسكان كالنجارة والنقاشة والكهرباء ... إلخ , فأصبحت مهجورة منهم ! هذه المدن تميزها وحداتها السكنية الجيدة والمساحات الخضراء المحيطة بها و النظافة المسيطرة على هذه المدن علاوة على ذلك الهدوء والناجم عن قلة بل ندرة المقيمين بها !! فى أول ظهور لوزير التعليم يقول : أذا تكمن المشكلة هنا فى عدم توافر الخدمات الصحية الكافية ومن المؤكد شبح المواصلات يحول دون الأقنراب من هذه المدن للأقامة بها . الريس : بالظبط .. و أيضا عدم توافر المدارس الحكومية تعطى الفرصة لظهور المدارس الخاصة والتى بدورها ستستغل الفرصة و تبتذ المقيمين بهذه المدن .. وهنا لا نغفل دورك الهام يا سيادة الوزير .. فظهر وزير المالية مشاركا : الأن نتحدث كفريق عمل واحد وليحدد كلا من الجالسين دوره تجاه هذه المدن .. و لدى فكرة بصدد هذا الموضوع سيساعدنى فيها كلا من وزير الصناعة و التجارة و وزير الأستثمار وكذلك وزير القوى العاملة .. وزير الصناعة والتجارة : وما هذه الفكرة يا سيادة الوزير ؟ فأستطرد الأول حديثه : كما ذكرنا فى بداية جلستنا هناك من لا يملكون ثمن الأيجار لمثل هذه الوحدات السكنية بهذه المدن فماذا عنهم ؟؟ قاطعه وزير الداخلية : هذه المدن يا سيادة الوزير مخصصة لمحدودى الدخل , كنت أظنك ستتحدث عن بيروقراطية النظام القائم على تسليم الوحدات السكنية وما يفتعل من عراقيل يطرحها أمام الشباب فرد وزير المالية فى قليل من الغضب : أذن فلنسأل بنك الأسكان والتعمير عن ثمن الأيجار والمخصص لمحدودى الدخل كما تدعى , ومنهم أيضا نتعلم تفسيرا لمعنى كلمة بيروقراطية .. هنا تدخل الريس : عندك حق .. هذه نقطة يجب أن نضعها فى خطتنا فأسعار أيجار الوحدات السكنية فى هذه المدن يضاهى فى ثمنه إلى حد ما الأيجار الحديث وهذا بالتأكيد واحدة من أخطر أسباب هجرة هذه المدن - ولعدم الأحراج تجاهل عمدا التحدث حول منطوق البيروقراطية - , ولكن ماذا عن فكرتك التى لم تطرح بعد أيها الوزير ؟ فتجاوب وزير المالية مع كلماته وقال : ياريس يجب أن ننشئ مصانع بالقرب من هذه المدن أو اذا أصابتكم كلمة مصانع بالتضخم الفكرى لخطة التنمية كما ألاحظ عليكم , فلنجعلها مشروعات ولكن مشروعات على مستوى عال نقوم بأمدادها بالأموال ومن خلالها يعمل الشباب ويتم خصم قدر من راتبه فى هذه المشروعات و يخصص لدفع أيجار هذه الوحدات السكنية وبذلك نضمن أتجاه الشباب لهذه المدن , فسيكون العمل بالقرب من محل سكنهم وأن أثبت مكتب التحريات - الذى يتولى مهمة تحديد الأولويات لشغل هذه الوحدات السكنية - عدم حاجة البعض لهذا العمل فلديهم عملهم الذى يوفر لهم الراتب المناسب هنا سيظهر دور وزير النقل والموصلات للتغلب على العائق الأكبر .. وعلى الفور شارك وزير النقل فى الحوار وقال : نعم سأمد خط مواصلات للنقل العام بل خطوط مواصلات تربط هذه المدن بكل المناطق فى محافظاتها حتى يسهل الأنتقال ولا تمثل على المقيمين بها أعباء الوقت والتكلفة , و أفكر أيضا فى أنشاء كبارى أساسية فى كل محافظة ستكون ممهدة لمرور المقطورات و سيارات النقل وخلافه من العربات الضخمة فقط التى تعرقل حركة المرور وسيكون هناك واحدا بالعاصمة مخصصا لسير موكب السيد - رئيس الجمهورية - و كبار المسئولين لتجنب مايقال دوما حول ما تسببه هذه المسيرات من أزمة وسط البلد .. وتدخل وزير الصحة : و أنا سأتولى بنفسى متابعة توفير المستشفيات وغيرها من الخدمات الصحية اللازمة . تمتم محسن بصوت مسموع وهو زائغ العينين : ماذا لو كانت هذه أعدة وزرا بحق وحقيق وليست مجرد أحلام يقظة لشباب محبطهنا أوقظه أيمن من شروده وقال : أيه يا زعيم لازم تطلعنا من المود .. أهو بنتسلى هى يعنى الأحلام بفلوس أخذ محسن يلملم بعضه ليدخل فى قالب القائد مرة أخرى ونظر لأيمن و قال : وماذا عن رأيك يا حامى الحماة فى خطة التعمير ؟؟ فرد أيمن - وزير الداخلية - : وهى محتاجة لرأى يا ريس .. سأكثف الأمن فى هذه المدن الجديدة حتى لا تتعرض للسرقات أو لا تكون منبعا لتداول المخدرات لأنها بعيدة عن أعين الرقابة الأمنية .. كان محسن يسمعه والنظرات تنبعث من عينيه فى تفقد للجالسين حتى أصابت أحداها عماد – المفتى – فقال له فى جدية تامة - على عكس ما يضمره - : هل أجهزتها يا عماد ؟ نظر عماد لمحسن وقد تقاربا حاجبيه وقال متعجبا : هى أيه يا ريس ؟! فأندهش الريس وقال : فتوى تدين من يتقاعس ولا يذهب للأقامة بهذه المدن .. فرد عماد متثعلبا : حاضر يا ريس على أخر الجلسة ستكون جاهزة تنبهت حواس وزير الشباب لهذه الكلمات وقال لرئيس الوزراء : ياريس .. كثير من الشباب فقط سمع أسم هذه المدن بل منهم من لا يدرى بوجودها من الأساس ولا يعرف أماكنها ولا أمكاناتها فكيف نبذل كل هذه الجهود ودعامات الخطة يجهلون بأمرها ؟! أنتبه الريس لكلماته وقال : أنت محق فى ذلك , فتجاهل الشباب لما يدور حولهم من أحداث بسبب عدم ثقتهم فى أحد ولا فى التغيير من أبرز أسباب تأخر المجتمعات – و صمت الريس وغرق فى التفكير ثم لمعت عيناه للفكرة التى جالت بخاطره – وقال فى ثقة و صمود : هـتـلـر فضحك الجميع و ألقوه بنظرات السخرية وقال أحدهم : خير يا محسن .. المرحوم كان عزيز عليك أوى كدة ( لا يبالى محسن كعادته بالسخرية التى توجه إليه فهو دوما يقصد بأن لا تمر كلماته مرور الكرام ) و قال : فى واحدة من القصص التى قرأتها و كانت لدكتور نبيل فاروق , قد تناولت أحداثا من حياة هتلر الزعيم النازى وعلاقته بوزرائه و كان أكثر ما جذبنى فيها هى أهتمامه بوزير الدعاية الذى كان سببا وراء هذا النجاح الباهر لهتلر و تقدم دولته , هذا الأسلوب الذى أتبعه وزيره و يسير على نهجه الأن جميع الشعوب , ولا أحد ينكر دور الدعاية وأهميتها , سأكررها الأن .. سأبحث مجددا عن وزير للبروباجندا سأبحث عن جوزيف جوبلز أخر - فيروس البلاهة قد أصاب الحاضرين وهم يحاولون ترتيب هذه الكلمات التى وقعت على مسامعهم حتى تمكن وزير الشباب من ترتيب كلماته - وقال : هذا يعنى أغراق شاشات التلفزيون بفيض من الأعلانات حول هذه المدن وتطويرها و دورها الفعال فى مساعدة الشباب وحل الأزمة السكانية ؟ فأجاب الريس : بل وفى الصحف والمجلات أيضا . عقب وزير الأسكان مخاطبا الريس : هذا بخصوص مدينة مبارك لأسكان الشباب ياريس , ولكن ماذا عن المجمعات السكنية الأخرى المعزولة كمساكن الظباط وخلافه من هذا القبيل .. أليس لها نصيب من حوارنا هذا ؟! عقب الريس قائلا : ومن قال أن هذه الخطة التى وضعناها وفريق التعمير هذا فقط من أجل مدن أسكان الشباب ؟! هذه الخـُطة كورقة أمتحان للثانوية العامة هى واحدة لكل الطلاب فنفس الخطة تنطبق على جميع المدن , و أنت على حق يا سيادة الوزير فلنسجل هذه الملاحظات حتى نقوم بترتيب المدن والمجمعات السكنية فى جدول التنفيذ فيما بعد .. وهنا صفق شريف متظاهرا بتحية محسن وقال : لا والله برافو يا ريس .. مجهودات عظيمة مشكور عليها .. و لكن لست وحدك مثقف الجلسة , أنا كمان ليا قراءات و أحب أن أشارك بأفكارها محسن : أتفضل يا وزير البحث العلمى .. أثرى الجلسة بأفكارك .. هم شريف بالحديث ولكن فى كِـبر واضح : لقد قرأت ذات مرة عن لسان ملك الفضاء ( فاروق الباز ) أن لديه مشروع ( ممر التنمية ) وقد عرضه من قبل على الرئيس الراحل السادات وجدد طرحه منذ عام تقريبا وقد لاقى قبولا فى المرتين وهذا الممر سيساهم فى نقل حوالى - و أمسك بالورقة التى أمامه فنظر بها حتى يتذكر ما قد دونه - 20 مليون نسمة من دلتا النهر إلى جانبى هذا الممر الممتد من الشمال عند العلمين إلى الجنوب حتى الحدود السودانية .. هل أنت مدرك لهذا الرقم ؟؟ فرد الريس فى حيرة : هذا الرقم حقا مهول وسيساهم بالطبع فى حل الأزمة السكانية .. ولكن كم ستكون تكلفة هذا المشروع الضخم ؟ رد شريف محبطا الجميع وبدون تمهيد : 24 مليار دولار ياريس هنا نظر محسن - كاظما سخريته حتى لا تسود الفوضى - لوزير المالية و سأله : أيه رأيك أيها الممول .. أقصد أيها الوزير ؟! أرتجف الوزير ونظر إلى السقف متجاهلا ما سمعه وكأن محسن يسأل عمن سيدفع ثمن المشاريب .. فأستدار محسن ثانية لشريف مجاوبا أياه : فلنؤجل هذه الخطة إلى حين الأنتهاء من خطتنا المعقولة و أذا لم تؤثر خطتنا - الخاصة بأعمار هذه المدن الموجودة بالفعل وينقصها فقط بعض الأهتمامات – فى حل الأزمة السكانية سنبدأ فى دراسة مشروع ( ممر التنمية ) , و أستطرد باسما : على الأقل نكون جمعنا جزء من المبلغ المطلوب رد شريف غاضبا : اللى تشوفه يا ريس عرف الفزع طريقه لوجه محسن وهو يقول فى توتر : أيه اللى أنا شايفه دة !! - زوووم يتيح للقارئ تخيل هذا المشهد .. الشباب حولهم يتركون مقاعدهم مهرولين مسرعين متخبطين فى كل الأتجهات يحاولون الهرب أثر رؤيتهم توقف سيارة الشرطة بالقرب من المقهى مطوحين فى الهواء لفافات التبغ المنتفخة أنتفاخ يفسر سر رائحة الحشيش التى تفوح فى أجواء المقهى , تعجب عم حمدى من هذه الحملة التفتيشية المفاجأة فمنذ فترة بعيدة أنقطعت هذه الحملات عن المنطقة .. يبدو أنه ظابط جديد يريد أثبات كفائته لدى رؤسائه يا لسوء الحظ ( هكذا همس عم حمدى محدثا نفسه ) أقترب ظابط المباحث من المقهى والذى أصبح خاليا من الزبائن عدا شلة محسن فدنا منهم وهم يجلسون فى حالة من الذهول يتابعونه وهو يقترب منهم فى تؤدة وقد شلت المفاجأة حركتهم و جمدت أطرافهم .. يزيد الطين بلة أن يقعوا فى مثل هذا الموقف فى شهر نوفمبر من 2006 وكلنا يعلم أهمية شهر نوفمبر وديسمبر بالنسبة للضباط معدومى الضمير هاهو يستقر أمام منتصف المنضدة ينظر عن يمينه و عن شماله ثم يلملم الأوراق التى أمامهم , يفنطها فى يديه وهو يلقيها بنظراته الثاقبة فيبتسم فى نشوة .. فرحته كفرحة صقر منقض على فريسته .. هب الجميع واقفا و حاول محسن أن يتظاهر بالتماسك ويخفى القشعريرة التى أصابته ومازال تأثيرها مستمر ولكنه فشل وقال فى أرتباك : خير يا حضرة النقيب أحنا مشتبه فينا ولا أيه .. دة حتى كلنا شباب زى الورد ومعانا شهادات جامعية و قضينا الخدمة العسكرية حتى السجاير بطلناها يا باشا أبتسم النقيب أبتسامة مخيفة وجاوبه فى كل وقار : شباب زى الورد زيكوا يتجمهروا فى ساعة متأخرة وبحوذتهم هذه المستندات يؤكد أنكم تنتمون لأحدى الجماعات المتطرفة فى واحدة من أهم أجتماعتكم , وطبقا لقانون الطوارئ الذى يقنن مثل هذه التجمعات سوف نكمل أجتماعكم فى ضيافتى اليوم نظر شريف لمحسن بوجه شاحب وقال فى يأس : منك لله يا شيخ أرتبك الجميع وأصابتهم حالة هلع أدت إلى فقدهم القدرة على التركيز , أشار النقيب لمن معه بالقبض عليهم لوضعهم فى صندوق السيارة المشئومة و هنا أنتفض وزير الداخلية - أقصد أيمن - فى غضب وهو يمنع المخبر عن أداء عمله وصرخ فى النقيب موبخا : تقبض على مين يا حضرة النقيب ؟! وجماعة أيه وتنظيم أيه اللى بتتكلم عنه !! نظر إليه النقيب وقد رفع حاجبا و أسقط أخر وقال فى غضب : وسيادتك مين بقى أن شاء الله ؟؟ وقف أيمن مختالا كالطاووس وهو يجاوبه : أنا بن العميد أحمد بسطاوى .. عميد بأمن الدولة أرتبك النقيب وكاد أن يتصبب عرقا ولكنه أمتص أرتباكه وبخ سؤاله كى يتأكد من صدق كلام أيمن وأنه لا يدعى ما يقول و طلب منه ما يثبت قوله فطلب منه أيمن أن ينتظر حتى يجرى مكالمة بوالده وبالفعل أخرج هاتفه و أمام نظرات الأعجاب من أفراد شلته والثقة التى منحها لهم دار حوار قصير على الهاتف تخلله سؤالين للنقيب - ما أسمك و أى قسم تابع له - وأنتهت المكالمة فى دقائق قليلة يعقبها دقائق أقل تلقى فيها النقيب مكالمة هاتفية كانت ترتعد فيها فرائصه , وما أن أنتهت المكالمة حتى أعتذر الضابط لأيمن و أصدقائه عما حدث وعن سوء ظنه بهم و أنصرف يودعهم بأبتسامة ذابلة حتى أستقل سيارة الشرطة التى أنطلقت تسابق الريح .. هنا نظر محسن لأيمن بعد أن أطمئن قلبه

وقال مداعبا أياه :
كان أختيار موفق أيها الوزير ..


بـقـلـم / مــحــمـد حــــســن عـبـد الجــابـــر
T_OF_ALEX@HOTMAIL.COM

Monday, January 22, 2007






بـسـم الله الـرحـمـن الـرحـيـم

( روايــة )

التـــلاعـــب بـــالـــشـــيـــطـــان

الحلقة الأولى


تبدأ الشمس فى الأبتعاد شيئا فشيئا قاصدة جوف السماء لتختفى عن أعيننا تاركة لنا بعضا من خيوطها الذهبية المتناثرة هنا وهناك , كان لهذه الحديقة نصيب كبير من هذه الخيوط الذهبية وهذا الجو الربيعى المفعم برائحة الورود .
صوت السيدة أم كلثوم يأتى من مكان ما بهذه الحديقة ليجلس الناس وهم يترنحون لما تشدو به كوكب الشرق كما تترنح أمامهم الورود مع نسمات الهواء العليل , يجلسون فيتسامرون ويضحكون ينظرون إلى أطفالهم وهم يمرحون هنا وهناك أمامهم , يلعبون فى سعادة فترتسم على وجوههم أبتسامة هادئة دون أن تترك شفتاهم موضعها ....
السعادة تملأ الحديقة , الهدوء المختلط بحركة الأطفال الملائكية الطفيفة
يزيد من جو هذه السعادة .
لم يُعكر صفو هذا الجو سوى صرخة مدوية أطلقتها هذه المرأة
وهى تصرخ فى فزع :

أبنتى ... أين أبنتى ... أريد هدى ...

بدأ صوت أم كلثوم يخبو حتى وصل إلى الخفوت , بدأت الخيوط الذهبية
فى الرحيل , أشتدت نسمات الهواء العليل لتلفح وجوه الحاضرين بشدة فتزرع بداخلهم نزعات الخوف والهلع !!
هب الجميع واقفا فى فزع وهم يبحثون عن هدى ...
مضت حوالى ساعة على عملية البحث عن هدى ولكن دون جدوى , كانت عملية البحث خارج وداخل الحديقة , كانت هذه الحديقة هى الحديقة الرئيسية بمنطقة كفرعبده بمدينة الأسكندرية .
تتميز هذه المنطقة بكثرة الفيلات المتناثرة بها فمعظم من يسكنونها يعرفون بعضهم البعض ومعظم المتواجدون بالحديقة من الجيران والأهل والأقارب .
أذا أين أختفت هدى فى ظل هذا الجو الأسرى المترابط ؟!
سؤال أفزع الحاضرون جميعا ولكن سرعان ما أتخذت نهال ( والدة هدى ) القرار الحاسم وتوجهت إلى قسم الشرطة الذى يبعد القليل عن الحديقة للإبلاغ عن أختفاء هدى ...
مر الوقت ببطء شديد وبدأ رجال الشرطة يبحثون عن الطفلة التى أختفت فجاءة , ومع بداية اليوم التالى من أختفاء الطفلة حدثت المفاجاءة !!
وجدت الشرطة الطفلة هدى مُلقاة تحت الشجيرة التى كان يجلس تحت ظلها أبويها بالأمس بعد أن لاحظوا وجود جرح دائرى غائر فى رقبتها أدى إلى وفاتها وكانت يداها اليمنى ممُسكة بدمية صغيرة ترتدى ملابس عروسة !!

أنكرت والدة هدى ووالدها وجود هذه العروسة معها أثناء لعبها وتواجدها معهم بالحديقة مما زاد الأمر غموضا !!
مرت ثلاثة أيام على أيجاد جثة الطفلة هدى والبحث مازال جاريا عن المُجرم وحدثت المفاجاءة الثانية , يتقدم والد ووالدة طفلة أخرى ببلاغ أخر عن أختفاء ياسمين طفلتهما الوحيدة !!
توسل والدىّ الطفلة ياسمين إلى العقيد حسام ( المـُكلف بالقبض على المجرم ) بأن يُعجل من عملية البحث عن ياسمين قبل أن يكون مصيرها كمصير هدى , ولكن العقيد حسام حاول أن يهدأ من روعهما فطبقا للأجراءات القانونية عليه أن ينتظر حتى يمر من الوقت 24 ساعة فيبدأ عملية البحث !!
وبالفعل مر الوقت وكأنه أمد بعيد فبدأت عملية البحث فى اليوم التالى وبينما عملية البحث جارية صرخ النقيب ماهر مناديا العقيد حسام فتوجه العقيد حسام مسرعا نحوه وما أن وصل إليه حتى تسمر مكانه وأتسعت عيناه وثغر فاه
من هول المنظر !!!
أنه نفس التوقيت الذى وجدوا فيه هدى وهو اليوم التالى من أختفائها وجدوا الطفلة ياسمين وهى مذبوحة ومعلقة من أرجلها فى أحدى فروع الأشجار
بالحديقة , ورأسها ملفوفة بلـُفافة سوداء وموضوعة بجانب دبدوب صغير الحجم جذابة ألوانه أسفل جسدها المُعلق !!
هنا كانت صدمة للعقيد حسام عند رؤيته هذا المنظر البشع الذى كاد أن يُنتزع فيه قلبه من الرعب ومما زاد الأمر غموضا وقد يكون وضوحا وليس غموضا هو أنكار والدىّ ياسمين أيضا لوجود هذه اللـُعبة معها !!
هرع العقيد حسام مسرعا إلى مكتبه بعد أن أجتمع بالنقيب ماهر ومجموعة من الضباط وجلسوا يفكرون بصوت عالٍ فى أمر هاتين الجريمتين التى قد حدثتا فى نفس الأسبوع و إلى حد ما بنفس الأسلوب , بعد أن ملأ الحزن قلوبهم
وغمرت الحيرة عقولهم ....


تــألــيــف / مــحــمــد حــــســن عـبـد الجــابــر







الحلقة الثانية

مضت حوالى ساعة فى مكتب العقيد حسام ولم يتمكن أحد منهم الوصول
إلى بؤرة الأحداث !!
فكما أن هناك علاقة تربط بين الجريمتين هناك أيضا مايـُشكك فى هذه العلاقة , لقد تمت الحادثتين بنفس الأسلوب وهو أستدراج الطفلتين هدى وياسمين بعد مداعبتهما بهذه اللـُعب التى وجدت معهم والقضاء عليهما بعد تصفية أجسادهما الصغيرة تماما من الدماء ثم أعادتها مرة أخرى إلى حيث كانوا يلعبون !!
ولكن بعد التحقيقات تأكد العقيد حسام أنه لا يوجد أي علاقة سواء علاقة أسرية أو غير ذلك تربط بين الأسرتين ( أسرة الطفلة هدى وأسرة الطفلة ياسمين ) !!
أذا ماحدث ليس بأنتقام ولكن ما هو سر قتل هاتين الطفلتين ؟!
فأيضا ليس وراء قتلهما دافع للسرقة أو حتى للخطف والمفاوضات كل ماحدث هو قتل الطفلتين وأعادة جثتهما مرة أخرى إلى حيث كانت تتواجد قبل الحادث !!
كل هذه الأفكار دارت برأس العقيد حسام ومن معه أثناء أجتماعهم وأزداد اللغز غموضا ولكن كلف العقيد حسام النقيب ماهر بمراقبة جميع محلات لـُعب الأطفال القريبة من هذا الحى بعد أن تم التحقيق مع أصحاب هذه المحلات ولكن كان من الصعب أن يتذكر أحدهم الزبائن التى قد وفدت إلى المحل
خلال فترة ما قبل الحادثتين .
ظلت عملية المراقبة حوالى أسبوع بأكمله ولكن دون جدوى وظلت الحديقة فى هذا الأسبوع هادئة هدوء الموت ...
فلا أحد يجرؤ على الأقتراب منها !!
وبينما العقيد حسام جالس بمكتبه يحتسى قدحا من القهوة وهو ينظر إلى النقيب ماهر وهو جالس أمام مكتبه ثم يـُدير وجهه مرة أخرى تجاه نافذة المكتب , سمع أحدا يطرق الباب بطرقات منتظمة فأعاد نظره مرة أخرى إلى الباب الموصد وأنتظر للحظات وكأنه يود سماع المزيد من هذه الطرقات كأنه كان ينتظرها ثم أذن لصاحب هذه الطرقات بالدخول .
فتح الباب رجل يناهز الستين من عمره يرتدى ملابس أنيقة تقدم بخطى ثابتة تجاه العقيد حسام ويتابعه النقيب ماهر بنظراته حتى أستقر أمام مكتب العقيد حسام فسأله عن سبب مجيئه ..
طلب منه الرجل بأن يسمح له بالجلوس فأشار إليه العقيد حسام بالجلوس وما أن جلس حتى قال فى هدوء ( أنا محمود الأسناوى صاحب أحد محلات لـُعب الأطفال وهو أكبر المحلات وأشهرها بمنطقة أبيس ( الريفية ) حيث أنه تم تصميمه على النمط الحديث مثله كمثل أفخم محل يتواجد بالمناطق الراقية , أنا هنا بشأن الحادثتين التى نشرتها الصحف عن مقتل الطفلتين هدى وياسمين )
نظر إليه العقيد حسام وسأله فى لهفة : و ماهى معلوماتك عن الحادثتين ؟!
عم محمود : قرأت أن هاتين الجريمتين قد حدثتا فى أسبوع واحد وعندما دققت النظر فيما نشرته الصحف من صور للطفلتين وجدت معهما لـُعبتان وتأكدت أن هذه اللـُعب هى نفس اللـُعب التى كانت معروضة لدى بالمحل وتقدم للمحل أحد الأشخاص غريب المنظر والمظهر أيضا وطلب منى شراء دمية على شكل عروسة
وبعد مرور أربعة أيام تقدم إلى المحل نفس الشخص وطلب شراء هذا الدبدوب الصغير الذى رأيته فى الصور المعروضة بالصحف وبعد مرور يومين
قرأت فى الصحف بأمر هاتين الحادثتين لذا قررت على الفور أن أدلى بهذه المعلومات التى قد تساعد كثيرا فى فك طلاسم هذه القضية التى تبدو غامضة ....
كان العقيد حسام والنقيب ماهر يتابعون أقوال عم محمود وكأنهما طفلان يستمعان إلى قصة ماقبل النوم !!
لم يقاطعه أى منهم أثناء سرده لهذه الأحداث , وما أن أنتهى عم محمود من حديثه حتى نظر إليه النقيب ماهر نظرة حادة تشوبها بعضا من لمسات الشك وسأله :
لقد علمت بأمر الحادثتين بعد مرور يومين على الحادث الثانى وهو نفس التوقيت الذى بدأنا فيه مراقبة جميع محلات لـُعب الأطفال وها أنت تأتى بعد مرور أسبوع لتغذية القضية بهذه المعلومات ... أين كنت طوال هذه المدة ولماذا لم تأتى لتدلى بأقوالك بعد قراءة الخبر مباشرة ؟!
أبتسم عم محمود أبتسامة هادئة وتوجه بناظريه إلى النقيب ماهر ورد فى هدوء أيضا : أولا لقد تم وضع مراقبة على محلات لعب الأطفال القريبة من منطقة كفر عبده وليس بمنطقة أبيس لذا فأنا لا أعلم بأمر هذه المراقبة إلا من لحظات قليلة عندما ذكرتها ..
ثانيا : لقد قرأت خبر الحادثتين عندما كنت بمدينة القاهرة أشرف بنفسى على أستلام بضاعتى من لعـُب الاطفال وعندما أنتهيت من ذلك وقررت العودة ترونى الأن ماثل أمامكم لأبلغكم بما حدث ....
وأخرج عم محمود تذكرة القطار وقدمها للعقيد حسام الذى أمعن فيها النظر وتأكد من وجود تاريخ اليوم بها فنظر إلى عم محمود وطلب منه أن يضع لهم وصف دقيق لهذا الرجل الذى أتى إليه لشراء هاتين اللعبتين .
عم محمود : هو رجل طويل القامة يرتدى معطفا طويلا داكن اللون وقبعة نفس لون المعطف , على وجهه شحوب يشبه الشحوب الذى على وجه الموتى , كلامه قليل , يتحرك بكل ثقة وهدوء .
وعند مغادرته للمحل ألتفت إلى بعد أن وضع يداه اليمنى على مقبض الباب ثم قال :
سأعود إليك مرة أخرى وأريدك أن تـُجهز لى لـُعبة قيمة ولكن هذه المرة أريدها تليق بطفل صغير و ليس بطفلة ...
ثم أبتسم أبتسامة مخيفة و رحل وقد أختفى من أمام المحل فى ثوان معدودة !!
هنا أرتجف النقيب ماهر بعد سماعه لهذه الكلمات ونظر إلى العقيد حسام فى صمت ففهم العقيد حسام مايدور برأس النقيب ماهر وقال له نعم ستكون الضحية القادمة طفل وليس طفلة ولكنى لن أسمح لهذا أن يحدث ...
وصمت برهة وهو يفكر فيما مر على سمعه ثم نظر إلى النقيب ماهر وطلب منه أن يجمع الضباط فورا فلا بد من وضع خطة مـُحكمة تمكنهم من القبض
على هذا المـُجرم ....


تــألــيــف / مــحــمــد حــــســن عـبـد الجــابــر









الحلقة الثالثة

أختلفت الأراء , تنوعت الأفكار , تعددت المكائد , سادت لحظة صمت مرتاع لفترة غير معروفة وفجاءة أنشكح وجه العقيد حسام وأرتسمت على ملامحه أبتسامة
توحى بالنصر ...
فهو كان على غير أقتناع بالفكرة التى طرحها أحد الضباط وهى مراقبة محل عم محمود حتى يظهر القاتل المجهول ومتابعته حتى يجد فريسته من الأطفال والهجوم للقبض عليه متلبس , وأشار بأنه أسلوب مستعرض يتيح فرصة الهروب
من قبـل المجرم .
ولكنه أقترح بأن يتنكر النقيب ماهر فى زى عامل نظافة يمارس عمله داخل محل عم محمود حتى يظهر الرجل الذى وصفه عم محمود ثم يخرج بعد ثوان معدودة من مغادرة هذا الرجل للمحل بعد أن يصطحب نجله باسم أمام هذا الرجل الذى لم يكد يرى الطفل باسم حتى يقوم بأتباع خطوات النقيب ماهر وما أن يقترب النقيب ماهر من أحد مراكز الأتصالات فأنه يترك باسم متحججا بأنه سيقوم بأجراء مكالمة هاتفية فى حين أن يكون هذا المكان ( مركز الأتصالات ) مزدحم برجال سيقوم ماهر بأختيارهم للقيام بتنفيذ هذه المهمة معه , وهؤلاء الرجال هم الذين سيسهلون عملية أختطاف باسم حتى يتمكنوا بعدها من متابعة الرجل
ذو الوشاح الأسود ( القاتل ) وبمجرد أتجاهه إلى المكان الذى يقوم بتنفيذ جرائمه فيه ستكون لحظة الهجوم لأنقاذ باسم وللقبض على هذا المجرم وكشف سر أرتكاب الجريمتين الغامضتين ...
وما أن أنتهى العقيد حسام من حديثه حتى نظر إلى من معه وقد خـُيل له أنه فى متحف اللوفر بداخل القاعة المختصة بعرض تماثيل الذهول !!
هنا غضب العقيد حسام وسألهم ماذا بكم ؟!
رد النقيب ماهر فى صوت خافت وكأنه يتمتم بكلام غير مسموع :
هل تريدنى يا سيادة العقيد أن أجازف بحياة أبنى الوحيد وأضحى به ؟!
رد العقيد حسام : ومن قال أنك ستضحى به يا ماهر ؟
أنها مجرد مكيدة مدبرة وستقوم بنفسك بتنفيذها كى تضمن سلامة باسم وأنت تعلم جيدا أنه من الصعب بل من المستحيل أن تتكرر فرصة تواجد طفل أو طفلة وحده بعد ما حدث خلال الفترة الماضية ومعنى هذا أنه ستطول الفترة التى فيها قد يغفل أحد الوالدين لترك طفله أوطفلته ولو لثوان معدودة كى يلهو بعيدا عنه وقد يرتكب هذا المجرم جريمته بأى مكان أخر ومعها يطول أطلاق هذا المجرم حرا طليقا دون أن نتمكن من القبض عليه لينال عقوبته وليرتاح قليلا والدىٍ
الطفلتين هدى وياسمين .
ولا أظن أنك ستعجز عن حماية باسم كما أنى لا أشك أيضا فى قدرتك على أنقاذه فى الوقت المناسب , وستقوم بنفسك بأختيار الرجال الذين سيقومون بتنفيذ هذه المهمة معك وأود أن أذكرك يا ماهر بأن الفترة القادمة هى فترة الترقيات وأنا أتنبأ لك بنجاحك فى مثل هذه المهمة التى سبق وأن مررت بمثلها بنجاح و خوفك على باسم سيكون الدافع الأكبر خلف أصرارك على القبض على هذا المجرم .
هنا نظر إليه النقيب ماهر نظرة نابعة عن أحساس لأول مرة
على مر حياته يشعر به .
فأبتسم العقيد حسام فى وجهه أبتسامة خفيفة كان لها التأثير فى جذب أوتار قلبه برقة فكان تأثيرها كالبلسم فاطمأن قلب ماهر وأبتسم هو الأخر بعد أن هز رأسه معلنا الموافقة ....

أنصرف الجميع معلنين بدأ تنفيذ الخطة فذهب ماهر ليختار من الضباط من سيرافقونه فى هذه المهمة .
وبدأ يخبر كل منهم بدوره وكان شديد الحماس والحرص أيضا , يبدو أنها كانت فكرة موفقة من قبل العقيد حسام بأن يـُدخل باسم طرفا فى هذه الخطة .
وبالفعل أتجه ماهر إلى محل عم محمود فى زى عامل نظافة وظل هناك على هذا الوضع قرابة اليومين لم يتقدم فيهم إلى المحل أحد بالمواصفات التى ذكرها عم محمود فبدأ عنصر الملل يدب إلى قلبه وتذكر باسم فأصابته رعشة خفيفة فأجتمعت عليه الأفكار وتملكه شعور بعدم نجاح هذه الخطة فقد يكون القاتل توجه إلى أى محل أخر من محلات لعب الأطفال ومع دوامة التفكير التى كادت أن تذهب بعقله ومع نهاية اليوم الثانى وهبوط الظلام وخلو المحل من الزبائن فتح الباب رجل يرتدى معطفا داكن اللون والقبعة و على وجهه الملامح المخيفة المذكورة , هنا تسمر عم محمود فى مكانه وكأنه رأى شبحا فى حين أنفرجت أسارير ماهر وتبددت تماما الشكوك والمخاوف التى قد أنتابته وشعر بأنها بداية النهاية ....
تقدم الرجل من عم محمود دون أن يهتم بوجود عامل النظافة ( ماهر) ,
وسأله الرجل : ماذا عن اللعبة التى قد طلبتها منك أيها الرجل الطيب ؟
نظر إليه عم محمود وهو يحاول أن يبتسم فى وجهه وقال له :
أنها موجودة لقد أحتجزتها لك ولكن طالت فترة غيابك حتى كدت أن أعرضها بالمحل لمن يرغب فى شرائها .
أبتسم الرجل الغامض أبتسامته المخيفة ثم قال : أنها الظروف ....
الظروف هى التى منعتنى من المجئ إليك ولكنى وفيت بوعدى كعادتى
وحضرت .. أين اللعبة ؟!
أخرج عم محمود علبة تحوى جيتارا موسيقيا صغيرا وقدمها لهذا الرجل وقد نالت أعجابه كثيرا هذه اللعبة وشكر عم محمود ثم أنغمست يداه فى أحدى فتحات المعطف حتى أبتلعتها وأخرج حفنة من النقود تكاد تفوق ثمن هذا الجيتار بمراحل وتركها أمام دهشة عم محمود وهم بالرحيل دون أن ينبذ ببنت شفة .
ثوانى معدودة التى مرت وكان ماهر خارج المحل هو الأخر بعد أن أصطحب باسم بمساعدة أحد رجاله دون لفت أنتباه الرجل ذو المعطف الأسود ودلف النقيب ماهر فى طريق موازى للطريق الذى يسير فيه هذا الرجل وأسرع خطاه حتى وصل لنهاية الطريق فأنزوى يسارا حتى أصبح الأن يسير أمامه وتعمد النقيب ماهر أن يترك أدوات النظافة التى كانت بحوزته لتقع ثم أنحنى ليجمعها حتى يتمكن من مراقبة نظرة الرجل لباسم وبالفعل كانت حركة موفقة من ماهر فقد أثار باسم أنتباه الرجل الذى لم ينتبه مطلقا لمراقبة ماهر له وبعد أن تأكد ماهر من سلامة الخطة حمل أدوات النظافة مرة ثانية وأتجه بصحبة باسم إلى أحد مراكز الأتصالات الذى كان ملغم تماما برجال الشرطة المتنكرين فى زى مواطنين وما أن دخل ماهر حتى طلب أجراء مكالمة هاتفية وتحويلها على أحدى الكبائن وترك باسم خارج الكابينة وبجانبه أدوات النظافة وما أن دخل ماهر الكابينة وأوصد خلفه الباب حتى دلف الرجل بلهفة يسير خلف نظراته التى كانت تسقط على باسم كالسهام .....


تــألــيــف / مــحــمــد حــــســن عـبـد الجــابــر








الحلقة الرابعة

كان تنكر ماهر فى زى عامل نظافة من أكثر العوامل التى دفعت هذا القاتل أن يـُعجل من أختياره لضحيته هذه المرة , فهذه الملابس البسيطة الذى كان يرتديها ماهر أن دلت ( فى نظر هذا الرجل الغامض ) أنما تدل على أن صاحبها رجل بسيط تكاد تنعدم أهميته فى هذه الغابة الكبيرة التى نعيش بها والتى يطلقون عليها مسمى الحياة , فرد فعله المترتب عما ستسفر عنه الأحداث من أختفاء أبنه لن يكون بالخطورة أوالسرعة التى قد تنتج عن رجل أخر يرتدى من الملابس ما قد يدل على أنه يعرف أحدا من – الكبار – الذى بأمكانه أن يساعده
ويـُعجل من البحث عن أختفاء نجله ....
( يبدو أن المظهر العام يمثل جانبا من خطة هذا المجرم فى تنفيذ جرائمه ) فهذا الرجل البسيط ( عامل النظافة ) حاله كحال من سبقوه وخضعوا لأحد القوانين وهو الأنتظار على أختفاء طفله يوم بأكمله كى تبدأ عملية البحث وهى الفترة الكافية التى يحتاجها هذا القاتل لينقض فيها على فريسته ثم يعيدها مرة أخرى بعد أن يفتك بها , فالسرعة هى مبدئه فى تنفيذ جرائمه وهذا هو سر نجاحه حتى الأن !!!
يبدو أن هذه الأفكار هى التى جالت بخاطره بعد أن كشفتها نظرته لباسم
ولأدوات النظافة التى بجانبه ....
هذا التفسير المبدئى للرجل الغامض كان عن لسان أحد الضباط الذى رواه فيما بعد للعقيد حسام وهذا الضابط هو الملازم ناجى أحد المتنكرين فى زى مواطن عادى بمركز الأتصالات , كانت مهمة الملازم ناجى والتى كلفه بها النقيب ماهر هى مراقبة هذا الرجل خطوة بخطوة بمجرد دخوله لمركز الأتصالات
إلى أن يخرج مصطحبا باسم ...
أقترب هذا الرجل فى تؤدة من باسم وشبح أبتسامة مصطنعة كانت لا تفارق شفتاه فجاوبه باسم بأبتسامة ( كما فطنه والده ) فأزداد البريق فى هاتان العينان الغائرتان وأحس بأستسلام ضحيته له فأتجه برأسه فى حركة خاطفة ليطلب من الموظف المختص بمركز الأتصالات تحويل مكالمة دولية على أحدى الكبائن متعمدا ذلك نظرا للأزدحام المحيط به فسيضطر الأنتظار للحظات نظرا لأنشغال جميع الخطوط وحدث ماتوقعه فأرتسمت على شفتيه أبتسامة توحى بفخره بدهائه ( لا يعلم أنه لو طلب تحويل مكالمة محلية لكانت النتيجة كسابقتها أيضا ) .
أقترب الرجل من باسم حتى أتخذ جانبا منه وجلس وهو يحاول جذب أنتباهه بهذا الجيتار فأستجاب باسم ومد يداه كى يأخذ منه الجيتار فهب الرجل واقفا فتعلقت عينى باسم بالجيتار الذى فشل فى الأمساك به , هنا ربت الرجل على كتفه محاولا أقناعه بالأبتعاد عن هذا الأزدحام كى يتمكن من الأستمتاع بما يحدثه هذا الجيتار من أيقاعات موسيقية رائعة , وما أن خرجا حتى أنتهى دور مركز الأتصالات و بدأ دور الملازم ناجى , كان من حسن حظ ناجى أن الرجل كان منشغلا بمداعبة باسم طوال فترة سيرهما بالقدر الذى صرف أنتباهه عنه , وهذا لم يمنع ناجى من أن يتوخى الحظر وأن يحاول بقدر المستطاع تفادى نظراته له حتى لا يفتضح أمره أمام هذا الرجل وليتمكن من مواصلة الخطة بسلام .
أستمر هذا المشهد قرابة ثلاثون دقيقة كانت خلالها المنازل قد بدأت فى الأندثار وبدأ يتسلل رحيق المجهول لقلب ناجى ومازال السير مستمرا حتى أختفت
المنازل تماما وأصبح ناجى يقف كمن جردت منه ملابسه فى مكان مزدحم فها هو الأن لا مخبأ له كى يحتمى به عن عيون هذا الكائن الغريب الذى يواصل سيره أمامه دون أن يكلفه تفكيره لمجرد الألتفات حوله لرؤية هذا الظل الثالث الذى يشاركهم سيرهم بعد أن ظهر واضحا فى ضوء القمر الخافت , هنا زادت دهشة ناجى وبدأت المخاوف تأخذ مأخذها منه , على الفور أجرى ناجى مكالمة هاتفية بالنقيب ماهر– الذى كان يتبعه هو ومجموعة من رجال الشرطة وعلى مقربة منه– ليخبره بواقع الأحداث ...
طمئنه النقيب ماهر وأخبره أنه بالقرب منه ولكن ظهوره الأن
سيفسد خطتهم ..
- لذا فعليك أن تستمر ياناجى وأريدك أن تصف لى أى طريق سلكتموه من هذه الطرق الثلاثة ؟! وأى منطقة تقف بها الأن وأين يتجه هذا الرجل فى هذه الأرض الخاوية ؟!!
وما أن أنتهى النقيب ماهر من حديثه حتى أكتشف أنه كان يحدث نفسه مما أثار دهشته وكادت مخاوفه أن تغلبه ولكنه حاول التماسك على الأقل أمام من حضر معه وعاد حديثه مرة أخرى : ناجى .. ناجى .. أين ذهبت ؟ هل أنت على مايرام ؟
ومازال ماهر يتسائل حتى بدأ يفقد أعصابه فأشتدت نبرة صوته فأفيق ناجى على هذا الصوت الأجش و أزدرد لعابه كى يبلل حلقه الذى جف من الرعب ولبى ندائه فغضب ماهر لتأخره فى الرد ولكن جاوبه ناجى : أأسف على شرودى ولكن منظر هذا المبنى الذى أقرب إلى كوخ ضخم منه إلى منزل هو المبنى الوحيد فى هذا المكان الموحش وأرى باسم بصحبة هذا الشبح يسير تجاهه بل أراه الأن يفتح هذا الباب الخشبى ليبتلعه ظلام هذا الكوخ ولكنه قبل أن يوصد الباب ألتفت إلى ليرمقنى بهذه النظرة القاتلة التى تحمل الكثير من المعانى وشبح أبتسامة مخيفة أرتسمت على شفتاه وأغلق الباب لأجد نفسى وحيدا فى هذا الظلام الدامس !
يتسلل إلى أذنى الأن أيقاع رتيب من نقيق الضفادع وأصوات أخرى لا أستطيع تمييزها أشعر أنه فحيح الثعابين أو .....
قاطعه ماهر : لا تقلق يا ناجى ولا تطلق لخيالك العنان الأن حتى لا تتوهم أشياء مريبة قد لا يكون لها وجود إلا بخيالك الواسع وقد تفقدك صوابك وما هى إلا دقائق معدودات وسأكون أنا ومن معى حولك ...
أطمئن قلب ناجى بعض الشىء ولكن يزداد الأيقاع مرة أخرى من حوله وكأنها سيمفونية رعب يقوم بها أحد العازفين الحاصلين على دكتوراه
فى فسيولوجيا الخوف !!
سارت قشعريرة فى جسده ولكنه حاول أن يصرف فكره بأى أمر أخر حتى لا يداهمه الخوف ثانية وبينما هو فى صراع عقلى يحاول الصمود فيه لأطول فترة ممكنة أحاط به النقيب ماهر ومجموعة لا بأس بها من رجال الشرطة ورجال الأمن المركزى وبدأ ماهر يأمرهم بمحاصرة المنزل فأصبح المنزل محاط من جميع الأتجاهات برجال الأمن المركزى ولا توجد ثغرة بالقرب من المنزل إلا وكانت تخفى بداخلها واحدا منهم .
تناول النقيب ماهر مكبر الصوت وكما تعودنا من الأفلام السينمائية يوجه ماهر ندائه من هذا العراء وهو مازال يجهل أسم هذا القاتل ولكن أخبره بمحاصرة منزله ولا يوجد أى منزل بجواره كى يستطيع القفز والأحتماء به فلا مجال تماما للهروب أو حتى المقاومة ولكن لا حياة لمن تنادى ...
ظل ماهر فى هذا الموقف مدة ليست بقصيرة وصدى صوته يجلجل فى هذا الفضاء الذى يقفون به ولكن دون جدوى ...
فاجأهم الرجل الغامض بأطفاءه للأنوار , صمت وقتها ماهر للحظات ظنا منه أن الرجل أستسلم و يستعد للخروج , مرت لحظات فى صمت رهيب وظلام مخيف وهذا المنزل قابع فى الظلام كأنه شبح ضخم يهاجمهم وتعجب ماهر من رد الفعل هذا وأتخذ قراره النهائى بالأقتحام .....
أمر ماهر رجاله بالهجوم وطلب من ناجى أن يذهب معه كى يتحسسا أى ثغرة تمكنهم من دخول هذا المنزل أثناء أنشغال الرجل من الداخل بالمقاومة وبالفعل بدأ الهجوم و كأنه بقيادة هتلر , شنت حالة هجوم مريبة مصحوبة بطلقات نارية ولكن لم تدم طويلا حتى عادت لحظة الصمت الرهيب مرة أخرى !!!
هنا توقف الرجلان عن الحركة ( ماهر و ناجى ) وتبادلا النظرات فى دهشة كما تبادلا اللآفكار فدارت بأذهانهم نفس الأسئلة ..
ماذا حدث ؟ لماذا توقف أطلاق النار ؟!
وفى نفس اللحظة هرول الأثنان مسرعين إلى حيث تركوا رجال الأمن وما أن وصلوا حتى وقفوا وهم يلهثون أمام هذا الباب الخشبى الذى يخفى خلفه العديد من الأسرار والحقائق بعد أن أتسعت عيناهم رعبا و أفواههم فاغرة من أثر الذهول وجثا ناجى على ركبتيه بينما تسمر ماهر فى مكانه كالصنم و هو يتابع
هذا المشهد الرهيب ...


تــألــيــف / مــحــمــد حــــســن عـبـد الجــابــر









الحلقة الخامسة

كان ماهر فى موقف لا يـُحسد عليه كما يقولون , فلم يتحمل ناجى هذا المشهد الفظ فتكوم أرضا ليترك ماهر وحده فى هذه المذبحة الفريدة من نوعها , مذبحة ليست بدموية كما نعرف عن المذابح !!
ولكنها جريمة أبادة بشرية جماعية , نظر ماهر ليجد جميع رجال الأمن ممن حضروا معه من رجال الشرطة أو الأمن المركزى على السواء وقد
كسوا الأرض بأجسادهم !!
سقط الجميع على ظهورهم مفتوحى الأعين وهم ينظرون إلى لا شئ يرمقون ماوراء الطبيعة بعد أن أتخذت أياديهم مواضع غريبة من الواضح أنها قد مرت بمراحل عديدة من التشنجات ...
ظل ماهر يجوب بناظريه فى المكان فى محاولة لأكتشاف ماحدث وفجاءة ...
ثبت بناظريه على هذا الباب الخشبى بعد أن أمتلأ بالثقوب أثر الطلقات النارية التى أخترقته ليجد لافتة قد وضعها من يقبع خلف هذا الباب منقوشا عليها بالدماء
- بعد أن قاربت السطور على أن تختفى معالمها وتختلط ببعضها البعض من أثر الدماء - هذه الكلمات :
( لقد أصابت لعنتى هؤلاء الحمقى الذين ظنوا أنهم يستطيعون أقتحام منزلى وأنا بداخله , وستظل لعنتى تلحق بكل من يفكر المساس بهذا الباب أو مجرد الأقتراب منه وسيكون مصيره الموت المحقق فى ثوان معدودة ...
أذا كنت من يهاب الموت ويهوى الحياة أيها النقيب الشجاع فخذ هذا الأبله الذى حضر معك وظن أنه نجح فى مراقبتى طوال هذه المدة وأبتعد فورا قبل أن تــُصيبك لعنتى , فليس من الشجاعة أن تقتحم منزلى بل أنه من الحمق أن ترى مصير من سبقوك لهذه الفعلة وتـُصر على أن تلحق بهم , أما باسم يا سيادة النقيب النشيط فسأسلمه لك بعد مرور ساعتان من الأن ...

الأمضاء / جــاســر )

قرأ ماهر هذه السطور بعينان جاحظتان محاولا أنهاء قراءته قبل أن تختلط السطور ببعضها البعض مكونة مزيجا دمويا مبهم ...
وما أن أنتهى من قراءته حتى تشتت تركيزه وشُـل تفكيره ونسى تماما أنه رجل شرطة وأخذ يفكر بقلب والد يسعى فى أنقاذ ولده لذلك قرر الأتصال فورا بالعقيد حسام بعد أن طلب منه تقصى السرعة فى الحضور وأن يتبعه أسطولا
بريا من عربات الأسعاف !!
أندهش العقيد حسام من أجراء هذه المكالمة الهاتفية الغامضة ولكن أقنعه ماهر أن مجرد حضوره سيفسر له سر هذا الغموض , مضى وقتا حتى أستعاد ناجى نشاطه بمساعدة النقيب ماهر و مضى الأثنان سويا يحاولان العثور على أحدا
- ممن شهد هذه المجزرة والتى لم تسفر عن قطرة دماء واحدة –
مازال على قيد الحياة ولكنهم كانوا يضيعون وقتهم هباء , فهم عاجزين عن وضع تفسير لما حدث وأخيرا وصل العقيد حسام بصحبة لا بأس بها من رجال شرطة أخرين لا يعرف أحد ماذا سيكون مصيرهم , ومجموعة من عربات الأسعاف تمنى الجميع وقتها بأن لا يظهر أى مريض فى هذه الظروف حيث أنه سيعجز عن العثور على عربة أسعاف لتقله ...
فها هى جميعها قابعة فى صفوف أمام هذا المنزل المشئوم و ما أن نزل الأطباء يتفقدون المرضى عفوا أقصد ( الموتى ) فى ذهول تام حتى أقروا جميعا بأن الموت تم جماعى فى نفس اللحظة مع تفاوت طفيف جدا بينهم ...
ولكنه تم فى لحظات تكاد لا تذكر !!
مع الأخذ فى الاعتبار بأنه لا يوجد أى أثار مقاومة أو أفتراس من قبل
هجوم مفاجئ قد تعرضوا له !!
فى ذات اللحظة وعلى الجانب الأخر وداخل هذا المنزل بالتحديد كان جاسر ( بعد أن تم التعرف على أسمه من اللافتة الدموية التى تركها ) يقف بداخل غرفة حوائطها مطلية بطلاء أسود قاتم , مـُطعمة بعديد من البقع التى ترسم أشكالا عشوائية أثر تلطيخ بالدماء , أما سقف الغرفة فلم يختلف كثيرا فكان مطليا باللون الأحمر ليتم التناسق بين أرجاء الغرفة وكأنها معبرا للجحيم ...
هناك فى ركن بعيد من أركان الغرفة كانت توجد منضدة حديدية صدأة وكأنها تبتعد تقززا من أفعال هذا الكائن البشرى الغريب , وقف جاسر بمواجهتها ليتابع ما تحمله فوقها هذه المنضدة فكان هناك العديد من الأسلحة الفتاكة فهذه زجاجة تحوى بداخلها محلول حمض الكبريتيك ( ماء النار ) الكاوى وهذه أسلحة بيضاء بمختلف أنواعها وهذه أسياخ حديدية قد ظهر على طرفها أثر تسخين شديد بدرجات حرارة مرتفعة وهذا صاروخ كهربائى ذات العجلة الدائرية المميتة ( وهذا أكثر ما أثار أنتباه جاسر) , وكانت هناك رائحة نتنة تفوح بها أرجاء هذه الغرفة أقرب كثيرا لرائحة الموت !!
ألتفت جاسر ليترك ظهره وكأنه رقيبا على هذه المنضدة وأخذ ينظر فى قسوة لباسم وهو مكتوف الأيدى والأرجل بعد أن ثبته جاسر فى أحد جوانب الغرفة بطريقته الخاصة فى مواجهة هذه المنضدة ليتمكن من رؤية ماعليها من أدوات التعذيب فيزداد هلعه ويزداد هو لذة برؤيته لأثار الرعب على وجه الطفل البرىء !!
وأخذ يخاطبه وكأنه رجل متزن أمامه يعنفه :
أيظن والدك الأحمق أنه بأمكانه أنقاذك من قبضتى ؟!
ألم أنصحه بالأبتعاد ؟! هاهو الأن يـُعيد نفس المشهد السابق ويحاصر منزلى ثانية,
الأن فقط سأنهى هذا التجمع المزعج حول منزلى وستبدأ اللحظات الحاسمة .. ( ودخل فى نوبة من القهقهة التى كانت تجلجل بصداها فى هذه الغرفة المعزولة عن العالم الخارجى , وكان باسم يرتجف رعبا من أثر هذا الصوت البهيمى وهذه التصرفات الحيوانية )
وأستطرد قائلا : سأرسلك إلى والدك بعد قليل ...
وعاودته الأبتسامة المخيفة وقد ظن باسم أنه ولد بها !
وأرتسمت ملامح الفرحة على شفتا الطفل الذى لم يفهم شىء مما قاله جاسر سوى الجملة الأخيرة وهى سأرسلك إلى والدك ....
تحرك جاسر موليا ظهره لباسم لينظر ثانية لهذه المنضدة وماتحمله فوقها من أدوات تـُثير شهوته العنفوانية وأخذ يلقيها بنظرات عشوائية حتى أستقر أخيرا بناظريه على هذا الصاروخ الكهربائى الذى يستخدم فى فصل القطع الحديدية عن بعضها البعض هاهو الأن جاء دوره ليفصل ولكن ليس قطع حديدية
ولكن لفصل ...
تناوله جاسر وصار بخطى ثابتة تجاه باسم الذى لا يفطن على الأطلاق ماذا يحمل جاسر وماذا سيفعل بهذا الشىء الذى تقبض عليه يداه !!
وبينما هو يـُعد هذا الصاروخ الكهربائى للعمل ...
كان العقيد حسام والنقيب ماهر والملازم ناجى يقفون فى ذهول بعد أن
أذهبت المفاجأة بعقولهم !!
لقد أدلى الأطباء بتقريرهم بأن الموت كان بالفعل جماعى دون أن يتعرض لهؤلاء الرجال أحد ولكنهم تعرضوا لأثر صاعقة كهربائية أودت بحياتهم على الفور !!
تعجب الثلاثة من هذا التقرير الطبى ولكن ما أكد لهم ذلك هو أجماع كافة الأطباء الحاضرين على صحة هذا التقرير ...
لم يحتمل العقيد حسام الأنتظار وفى ظل دهشة ماهر وناجى التى أكتست ملامحهم أجرى العقيد حسام مكالمة هاتفية عاجلة طلب فيها بأرسال مجموعة من مهندسى الكهرباء فورا ...
كان ماهر يراقب عقارب الساعة بأستمرار وجملة
( أما باسم فسأسلمه لك بعد مرور ساعتان ) لم تفارق عقله ومر الوقت فى بطء شديد وكأن الزمن قد توقف بعجلته عند هذه اللحظة فجملة
- سأسلمه لك بعد ساعتان - تخفى بين ثناياها الكثير من الغموض والحيرة فظن ماهر أن جاسر سيسلمه له حقا ولكنه تذكر مشهد الطفلتين هدى وياسمين فعاود الرعب ليملأ فؤاده ثانية ويـُحار مما قصده جاسر فأنعكس أحساسه تماما وأخذ ينظر فى ساعته كل دقيقة وشعر بأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة مع مرور كل دقيقة وهى تذهب بلا عودة وود لو لم تمضى الساعتان التى ذكرها جاسر وظل الثلاثة ماكثون فى صمت ينتظرون طوق النجاة فبوصول مهندسى الكهرباء سيتم كشف سر هذه الصاعقة ليتمكنوا من أقتحام هذا المنزل وأنقاذ باسم قبل أن يقضى الأمر ....
ولحسن الحظ يقطع هذا الصمت الرهيب صوت سيارات الشرطة وهى تحمل معها الأمل المتبقى , أستوقف العقيد حسام السيارات التى ألتف حولها كلا من ماهر وناجى وأخذا فى تفحص الحاضرين من مهندسى الكهرباء الذين نزلوا وسط نظرات الجميع و توجهوا بصحبة العقيد حسام إلى هذا المنزل بعد أن شاهدوا جثث الضحايا وسارع إلى ذهنهم أنهم قد تعرضوا لأثر صاعقة كهربائية وأخذوا يتفحصون المكان جيدا وينبشون الأرض من حولهم لعلهم يجدوا ما يهدى
ضالتهم , وبالفعل وجد أحدهم مجموعة من الأسلاك النحاسية العارية فصرخ فيهم مناديا حتى هرولوا مسرعين يساعدوه فى تتبع هذه الأسلاك فوجدوا نهايتها عند هذا المنزل و أكدوا بأن نهاية هذه الأسلاك مدفونة أسفل المنزل ولها أطراف أخرى بداخل المنزل وأستنتجوا بأن هذه الأطراف موصلة بأجهزة كهربائية قد طـُعـم بها هذا الباب من الداخل فبمجرد تحريك هذا الباب من موضعه ولو لحركة بسيطة تعمل هذه الأجهزة لتولد شحنات كهربائية ذات جهود مرتفعة جدا تتسبب فى أنتقال
الألكترونات عبر هذه الأسلاك المزروعة تحت أرجلهم لترسم دائرة كهربائية يصعق كل من بداخلها !!!
لم يعقب أحدا على ما سمعوه ولكن أستكمل أحد المهندسين كلامه قائلا لا بد من البحث عن باقى هذه الأسلاك وأكتشاف إلى أين تكون حدودها حتى يتم أعدامها جميعا قبل أن يفتح هذا المخبول ( جاسر) الباب فنـُصعق جميعا وينتهى
مصيرنا كمن سبقونا هنا !!
همس ناجى قائلا : ولكنه دخل أمامى من هذا الباب دون أنه يلحقه أى ضرر !!
جاوبه أحد المهندسين : من السهل أبطال مفعول هذه الأجهزة من وحدات التحكم من الداخل وهو مايفعله جاسر قبل مغادرته للمنزل وبمجرد دخوله مرة أخرى من هذا الباب يعاود ضبطها مرة أخرى حتى يؤمن نفسه تماما ضد أى هجوم والأن هيا لنستخرج باقى الأسلاك المزروعة بهذه المنطقة كى نفسد عليه خطته العبقرية ...
لم يتمالك ماهر أعصابه وصرخ فى الجميع : أتريدوننى أنتظر حتى تنتهوا من أكتشاف باقى الأسلاك وأستلم أبنى الوحيد لأضيفه لقائمة ضحايا اليوم ؟!
من المؤكد أنكم تمزحون !!
قاطعه العقيد حسام : هدئ من روعك يا ماهر وحاول أن تتمالك أعصابك فكما ترى نحن بخارج المنزل ولكننا حبيسون بحلقة الموت التى أحاطنا بها هذا اللعين ولا بد من التحلى بالصبر كى نتخلص منها ونستطيع أقتحام المنزل وأنقاذ باسم ...
نظر إليه ماهر نظرة تـُحمله كل معانى الذنب فيما يحدث لأبنه الوحيد وذهب ليجلس بعيدا وهو يدفن وجهه فى يداه المتشابكة وينحنى برأسه لأسفل منتظرا ما ستسفر عنه الدقائق العصيبة القادمة ......


تــألــيــف / مــحــمــد حــــســن عـبـد الجــابــر






الحلقة السادسة

عندما تدور الدنيا دورتها المعتادة باللأنسان كما تدور الأرض دورتها المعتادة حول الشمس فكلتا الدورتان هدفهما واحد وهو أستمرار الحياة , وعندما يأتى دورك فى هذه الدورة الدنيوية لتمر بنقطة ما على سطحها تسمى الأختيار ...
هذه الكلمة التى تشبه عنوان لموضوع طويل هذه الكلمة و التى تسطر بأسفلها العديد من الكلمات الناتجة عن مزيج من الأحاسيس والمشاعر المختلطة
بالخوف والحيرة ...
تريد الموت شنقا أم حرقا ؟!
هذا واحد مما أوقعت به الظروف أن يصبح أسيرا فى أحدى الحروب ...
فعليه الأختيار !!
تريد أن تنطق بكلمة حق لتـُرضى ضميرك فيرضى عنك الرحمن أم تدحضها خوفا على حياة أقرب الأقربين لقلبك ؟!
هذا واحد أجبروه على أن يشهد زورا ...
وعليه الأختيار !!
أن تودى بحياتك وتخاطر بها من أجل أنقاذ أبنك الوحيد وتعلم أنه الموت لك قبل أن تصل إليه أم تنتظر المصير المجهول له فتكسب نفسك وقد تخسره ؟!
هنا جاء دور ماهر فى هذه الدورة ليمر بنقطة الأختيار , وما أصعبه أختيار !!
فالأختيار هنا لن يقع على ماهر فقط بل يمتد ليضم لقبضته أبنه الوحيد ...
جلس ماهر يتابع مهندسى الكهرباء وهم يحاولون أحباط عمل هذه الدائرة الكهربية التى أوقعهم بها جاسر فينظر إلى العقيد حسام فينظر العقيد حسام لناجى فيمتثل ناجى للأمر الصامت ويتجه بدوره إلى النقيب ماهر , محاولا أن يخفف عنه بعضا من ألامه ويطمئنه بنجاح خطتهم وأقتراب لحظة الهجوم لأنقاذ باسم ..
فى جوف هذا المنزل يوجد طريقا كالبهو فى نهايته تقبع هذه الغرفة التى تبتلع بداخلها كل من جاسر وباسم وكل ما يمكن ذكره من كلمات
تصف الرعب والخوف والفزع بمعناهم !!
أضاء جاسر شمعة كى تبدد ظلام هذه الغرفة فظهر الضوء خافت الذى خـُيل لساكنى هذه الغرفة بأن هناك أشباحا تسبح فى أرجاء الغرفة مما أضاف رهبة على المكان وهلعا على وجه الطفل الصغير , تناول جاسر فى بطء صاروخه الكهربائى بعد أن أعده للعمل وأوصله بالكهرباء فدارت عجلته بسرعة جنونية وكأنها تود أن تسبق الأحداث لينتهى دورها فى مارثون الرعب
الذى يقيمه جاسر بالغرفة ...
قرب جاسر الصاروخ من أحد أطراف المنضدة الحديدية فتطايرت شظايا نارية لتملأ جو الغرفة وكأنه بدء الأحتفال الدموى , أحتفال بجريمة قتل جديدة ...
بدأ باسم يفقد صوابه وأبتلت الأرض من أسفله أثر رؤيته لهذه الأحداث الغريبة , أشتدت قبضة جاسر على الصاروخ الكهربائى وأمتلأت عيناه شرا
وأخذت تدور فى محجريها وكأن أصابه مسا و شرع فى الأقتراب من باسم الذى أفزعه صوت هذا الصاروخ , نظر إليه جاسر فى صمت فأندهش الطفل وجاوبه

بنظرة طفولية تكسوها معانى البراءة ويشوبها بعضا من الوهن واللأنكسار , رفع جاسر الصاروخ بزاوية مائلة من رقبة الطفل فنظر إليه باسم بعد أن غمر الفزع
وجهه , أزدادت ملامح جاسر وحشية و التى جسدت كلمة الشر بكل معانيه على هذا الوجه المشحوب وفجاءة مر جاسر بالصاروخ الكهربائى على رقبة الطفل فأنبثقت الدماء لتغطى وجه جاسر وترسم خطوطا وأشكالا جديدة على هذه الحوائط التى شهدت هذا الأحتفال الدموى أكثر من مرة , تدلت رأس الطفل على صدره فلم يعجب جاسر هذا المنظر وللمرة الثانية يقرب هذ1 الصاروخ من الرقبة المنحورة ليفصل به الرأس عن هذا الجسد الصغير و التى سقطت متدحرجة
لتستقر أسفل هذه المنضدة ...
فى هذه اللحظة أنشكح وجه العقيد حسام ونادى كل من ناجى وماهر حيث نجحت خطتهم وأحبط المهندسين عمل هذه الأسلاك المميتة وأشاح بوجهه
أيذانا ببدء لحظة الهجوم ...
نظر إليه ماهر وشبح أبتسامة حزينة تداعب ثغره , أتجه الجميع تجاه الباب يتقدمهم العقيد حسام والنقيب ماهر والملازم ناجى وما أن هموا بالأقتحام حتى فاجأهم جاسر بأضائته لأنوار منزله فظهرت هالة خافتة من الضوء حول المنزل فتوقف الجميع للحظات أيذاء هذا التصرف وهموا للمرة الثانية بالهجوم فسمعوا صوت أرتطام عنيف من الجهة الخلفية للمنزل فهرول الجميع مسرعين ظنا منهم أن جاسر قد ألقى بنفسه منتحرا !!
وما أن وصلوا حتى وجدوا كيسا ضخما من البلاستيك أغلقت فتحته برابطة محكمة من الحبال السميكة فجثا ماهر على ركبتيه محاولا فك هذه العقدة الغليظة ليرى مابداخله , أقترب منه ناجى يساعده فيما يفعل وما أن نجحا فى التخلص من هذه العقدة حتى أخرجا ما بداخل الكيس ...
أنها جثة باسم ورأسه مربوطة إلى صدره ومعها لفافة
- أشبه بكثير للافتة الدموية التى رأها ماهر على باب هذا المنزل –
مكتوبا فيها بالدماء :
( لقد أوفيت بوعدى معك أيها النقيب وسلمتك باسم بعد ساعتين كما وعدتك )
أحتضن ماهر هذا الجسد الممدد أرضا وأخذ فى تقبيل هذه الرأس الملطخة بالدماء بعد أن أمتزجت دماؤها بدموعه التى أزرفت منه أثر رؤيته لهذا المنظر الذى أعتصر قلبه حزنا , و هرول مسرعا قاصدا الباب الخشبى
لا يفكر سوى فى شئ واحد فقط

وهو جـــــــــاســـــــــر ......

وصل ماهر وهم بالدخول إلا أن جذب أنتباهه أثار دماء ترسم خطوات لأقدام
شخص ما ولاحظ أنها تأتى من داخل هذا المنزل فأيقن أنها خطوات جاسر وهذه هى دماء باسم , فقد ألقى جاسر بجثة الطفل خلف المنزل ليتجه الجميع إلى مصدر الأرتطام ويستغل هو فرصة أنشغال الجميع بجثة باسم وأخفت الأضواء
ظنا منه أن الفرصة ستسنح له بالهروب ...
وأقسم ماهر بأنه لن يرحمه ولن يفلت هذه المرة من قبضته ...


أخذ ماهر فى تتبع أثار الأقدام فوجد أن نهايتها عند بداية أحد الحقول التى تحيط بالمنزل , كان العقيد حسام والملازم ناجى يحاولان اللحاق به
وما أن وصلا إليه حتى خاطبه العقيد حسام محاولا أقناعه
بأن لا يعرض حياته للخطر و إلا يخوض هذه الحقول الموحشة وحده
و التى تزخر بثعابين سامة وخطرة فجاوبه ماهر بأقتحامه لهذه الحقول
لا يبالى بما يسمعه حتى أختفى بين أعواد الذرة وكذلك فعل ناجى الذى أحزنه مشهد هذا الطفل المنحور فذهب هو الأخر محاولا البحث عن هذا الكائن الدموى , وأختفا الأثنان بين الحقول ....
قصد ماهر طريقا بين الحقول وصار بين أعواد الذرة التى كانت تتراقص
بفعل الرياح فتخفيه عن الأعين ليسلك ناجى الطريق المعاكس
للذى كان يسير به ماهر دون قصد منه ...
واصل ناجى السير حتى أوقفه هذا المكان المهجور الذى وجد نفسه به بعد أن لاحظ أنه قد غادر الحقول وولى لها ظهره , وقف ناجى ليتأمل هذا المكان فوجد أن هناك دار خربة نصف مهدمة تحيط بها الأشجار على مسافات متباعدة منها , هذه الأشجار و التى توحى بأنها قضت قرون وقرون بهذا المكان الموحش بعد أن تشابكت فروعها لتـُهيأ للناظر وكأن هناك مارد ضخم قد تشابكت يداه
لتكًون مظلة ضخمة لهذا المكان و قد أحتجزت أضواء القمر الخافتة ....
كان بالقرب من هذه الدار الخربة وتحت هذه المظلة الطبيعية الضخمة التى كونتها فروع الأشجار ومع هذا الخيط الرفيع من ضوء القمر الذى تسلل من ثقب ضيق بهذه المظلة .. يوجد ما يثير الرعب لناجى , فقد لاحظ أن هناك شىء ما يتحرك
فى هذا الضوء الخافت .. أتسعت عيناه و أزداد تركيزه وأتضحت الرؤية ....
أنه كائن بشرى يرتدى معطفا داكن اللون , هذا المعطف قد رأه ناجى من قبل
هذا الرجل ليس بغريب عن ناجى أنه ....
أنه جـــــــاســــر !!
كان جاسر يحمل فى يداه اليمنى حيوانات وطيور مقيدة كان يجرها أرضا ويداه اليسرى كانت تحمل العديد من زجاجات ممتلئة بالدماء قد أحكم ربطهم سويا بهذه الرابطة الغليظة ليتمكن من حملهم , ترك جاسر هذه الأشياء على الأرض و خلع معطفه وسحب من جنبه سكينا وقربه من يداه اليمنى بعدها لاحظ ناجى الدماء وهى تنزف من ذراع جاسر الأيمن !!
عجب لذلك ولكنه واصل مشاهدته فوجده يخرج ورقة وبأداة ما تشبه كثيرا
لقلم بدائى كان يمسحها جاسر بجراحه راغبا الكتابة بهذا الحبر الدموى ...
فكتب بها على الورقة و كرر فعلته عدة مرات و ما أن أنتهى من ذلك حتى تناول سكينه مرة أخرى و قام بذبح جميع الحيوانات والطيور التى كانت معه
ليملأ بدمائهم زجاجات أخرى فارغة كانت بحوزته !!
ثم جثا على ركبتيه يتوسل لشخص يخاطبه وكأنه هو فقط الذى يراه !!
ويقدم له هذه الورقة التى سطرها بدمائه و أستمر فى توسلاته وأذلاله وكأنه يحدث أحدا أمامه يرجوه بأن يقبل منه هذه الورقة ...
وبالفعل ظهر أمامه مسخ دميم الخلقة له جسم أنسان ورأس لم يرى ناجى
فى حياته حيوان دميم بهذا الشكل كى يصفه به !! من هذا ؟!
ولمن تكون هذه الخلقة لغير الأنسان ؟!
يبدو أنه الــشــيــطــان !!

دارت الهواجس برأس ناجى ورأى جاسر وهو يقدم له القرابين
من الحيوانات المذبوحة والزجاجات المعبأة بالدماء !!
و ها هو جاسر يقدم له هذه الورقة فيقبلها منه هذا المسخ الدميم !!
الأن تأكد ناجى أنها ليست بهواجس أو تخاريف فى ليلة قمرية ..
أنه حقا الــشــيــطــان !!
و ضحك الــشــيــطــان بقهقهة كادت أن تفقد ناجى صوابه لكنه حاول أن يتماسك حتى لا يكتشف أحد أمره فتكون نهايته !!
وبعد أن قبل الورقة من جاسر أشار بأصبعه ليظهر عنه ظافره فى أتجاه أفقى فيوحى للناظر وكأن هناك جسد ممدد يرتفع فى الهواء !!
أنه يـُشير تجاه هذه الدار الخربة فيخرج منها رجال ونساء يقتربون من جاسر وكأنهم كانوا فى أنتظار قدومه .. و خلع الجميع ملابسهم تماما , و شرعوا فى رسم دائرة سحرية على الأرض ليدخلون بها و بالفعل سكروا جميعا ثم أنغمسوا فى الرقص والغناء بداخل الدائرة حتى أصابهم الأعياء فتساقطوا الواحد تلو الأخر أمام ذهول ناجى الذى شعر أن قدماه لا تسطيع أن تحمله
فسقط ليغيب بوعيه قليلا عن الأحداث ...
ومع الخيوط الأولى للفجر أستيقظ ناجى فهز رأسه فزعا عندما أسترجع الأحداث و شرع يتحسس جسده غير مصدق أنه مازال على قيد الحياة وهب واقفا ليتابع الأحداث ولكنه نظر فوجد جسد جاسر وهو مسجى على الأرض من الواضح أنه قد سقط فاقدا وعيه بعدما سكر الجميع ورقصوا هذا الرقص الشيطانى .
تقدم ناجى من جاسر و كان حوله هنا وهناك أجساد أخرى متناثرة على بطونها و فاتحة أذرعها عن أخرها وكأنهم كانوا فى محاولة لأحتضان الكرة الأرضية , هم بالتأكيد من كانوا يتراقصون معه داخل الدائرة السحرية , تقدم ليقبض عليه و ينهى هذه الدراما التى سببها لهم بعد أن لاحظ وجود علامة سحرية موحدة فى أجزاء حساسة جدا من أجسادهم فتأكد أنها ختم الشيطان وهى علامة لا تمحى أبدا .. وتذكر ماقد قرأه فى كتب السحر وتسخير الجان فأيقن أن ما رأه ما هو إلا طقوس - القداس الأسود - أو كما يطلقون عليه
( السحر الأسود ) !!!
وهذه الورقة التى كتبها جاسر بدمه ماهى إلا عقد حلف مع الشيطان
فلا فكاك له من هذا الحلف إلا بالموت !!
وقف ناجى للحظات مغلوبا على أمره لا يدرى ماذا يفعل مع هذا الرجل
وهو ملقى أرضا بهذا المنظر وهم أن يتقدم ثانية ليقبض عليه لكنه
شعر بوجود أصابع تغوص فى كتفه وتوقفه عن الحركة
فأرتجف قلبه وأرتعش جسده ....

تــألــيــف / مــحــمــد حــــســن عـبـد الجــابــر