صــــــرخــــــة الـــمـــســـتـــقـــبـــل
ارتديت قبعتي ومعطفي الصوف الداكن اللون، وتناولت السيجار المحبب إلى نفسي، وجلست أتأرجح على الكرسي الهزاز الخاص بي خلف النافذة، أتابع بناظري حركة السيارات التي تسير في هذا البرد القارس، وبالأحرى أتابع السيارات وهي تقف لتملأ خزائنها
بماء الأمطار .. هنا رجعت بذاكرتي للوراء حوالي عشرين عامًا، عندما كانت تقف السيارات في محطات البنزين لتزويد السيارة بما يكفيها من البنزين، وتزودنا السيارة بما يكفينا من عوادم لتفعل بنا ماتفعله من الأمراض ...يالها من سنوات كنا نعيشها في تخلف وتأخر !!فالآن أصبح هناك محطات الطاقة الضوئية ومحطات للطاقة المائية، ولكن كان انتشار محطات الطاقة المائية أكثر؛ نظرًا لبهظ ثمن السيارات التي تسير بالطاقة الضوئية، وهي سيارات أكثر من يستخدمها من رجال الأعمال، فزاد انتشار السيارات التي
تسير بالماء .......أشياء أخرى كثيرة قد تغيرت خلال العشرين عامًا الماضية .. في ظل هذا الجو من الذكريات شعرت بأنني أود أن أستمع إلى بعض الأغاني للاسترخاء، ولتهيئة الجو المناسب لاسترجاع الذكريات ....أخذت في البحث عن الأسطوانة الخاصة بكوكب الشرق .. أين هي ؟!استمررت في البحث عنها، ولكن ها هي الأسطوانة تختبئ مع مجموعة من أجمل الأسطوانات لنجوم الفن الجميل .. لحظات وتبدأ الست - هيفاء وهبي – في الغناء.وضعت الأسطوانة في مشغل الأسطوانات، وجلست على الكرسي الهزاز الخاص بي، بعد أن أسندت رأسي إلى الخلف على ظهر الكرسي، وتركت جسمي في حالة من الاسترخاء وأنا أستمتع بالسماع إلى الــــــســـــت...وبدأت أغنية من أجمل أغانيها - بوس الواوا .. خلي الواو يصح -قولي يا ست وأطربينا .. وفي ظل هذا الجو من الطرب، يقطع خلوتي ابني فارس الصغير !!فغرفته بجانب غرفتي .. يفضل دائمًا الاستماع إلى هذا النوع من الموسيقى الصاخبة، التي لا أفهم منها شيئًا سوى أن أذهب بعدها إلى أقرب صيدلية لشراء أي علاج
للصداع المزمن ... لا أعلم ما المتعة بالنسبة له في سماع هذه الأغاني !!أشعر أن جيل اليومين دول أصبح جيلاً تافهًا !!!قمت مسرعًا واقتحمت عليه غرفته .. كان يغلق عليه باب غرفته بالمفتاح، لم يستمع إلى طرقاتي على الباب.. أثار غضبي ... تناولت هاتفي وطلبته على الفور..رد فارس : ألو .. أزيك يا بابا ..أنت بتتكلم منين ؟!!- اقفل ياولد بسرعة وافتح فورًا باب الغرفة..فارس : حاضر يا بابا بس ممكن تهدئ أعصابك ...وتوجهت مرة أخرى مسرعًا إلى حجرته وقد فتح الباب ....- ماهذا يا فارس لماذا تغلق باب الحجرة هكذا ؟!فارس : كل واحد وله خصوصياته يا والدي العزيز.- حتى أنت يا مفعوص!!وما هذه الأغاني التي تستمع إليها ؟!أطفئ هذا الإزعاج فورًا..فارس : حاضر يا والدي ... ولكن ما هذا الذي تستمع إليه ؟!- اخرس يا ولد دي ستك هيفاء .. حد ما يعرفش الست ؟!!فارس : لا يا والدي أعرفها جيدًا ولكن لا أفهم ماذا تقول وماذا تعني ؟!ماذا تقصد ببوس الواوا يا والدي العزيز ؟!هنا بدأ وجهي في الاحمرار، وكاد أن يتلعثم لساني في الإجابة، ولكن سرعان ما قاومت هذا الشعور..- هذه يا ولدي الحبيب طريقة للعلاج كنا نستخدمها قديما ..
تبوس الواو .. يخف على طول ...نظر إلي فارس ورسم على وجهه ملامح الاقتناع، وهنا تركته وتوجهت مرة أخرى لغرفتي، ولكني أوقفت أسطوانة الست، وقررت أن أستمع إلى العندليب .. سعد الصغير .. ووضعت أسطوانة المولد ...مرة أخرى أجلس على الكرسي الهزاز، ولكن يصر فارس على مضايقتي .. يبدو أنه يوم من أيام (داين تـُدان)، ولكن هنا وجدت فارس قد جاء بنفسه، وجلس أمامي ينظر إلي وهو يستمع إلى أغنية المولد ..ما إن انتهت الأغنية حتى بدأ يتحدث معي..فارس : لماذا يا والدي تضجر من سماع هذه الأغاني التي أحبها ؟!- هذه أغاني تافهة وليس لها معنى أين هذه الأغاني من أغاني الست (هيفاء) أو من نجمة الغناء العربي (روبي).. أين هولاء الذين تستمع إليهم من المناضل الشعبي
- شعبان عبد الرحيم - الذي يتميز بشجاعته ووطنيته ؟!ماتستمع إليه يا ولدي الحبيب لا شيء ولا يسمى طربًا على الإطلاق !!فارس : يا والدي هناك مقولة لأفلاطون تقول: (إذا أردت أن تتعرف على شعب فتعرف على أغنيته).ويقول الأبنودي: (إن الأغنية هي مرآة الشعوب، فإذا أردنا أن نعرف واقع مصر لا بد أن نستمع إلى هذه الأغنيات).وأنا يا والدي أقول إن كل منا في زمانه استمع ويستمع إلى الأغاني التي تعبر عنه وعن قضيته .- وأنا يا ولدي الحبيب أقول اذهب الآن إلى غرفتك، ولا تريني وجهك حتى الصباح.. اذهــــــــــب ........هرع فارس مسرعًا إلى حجرته، وجلست أناشد حالي وأتذكر هذا الموقف الذي دار بيني وبين والدي عندما كان يستمع إلى السيدة أم كلثوم وكنت أستمع إلى ........الآن فقط أفقت من هذا الحلم، بعد أن طاح بي خيالي لهذه الحقبة من الزمان، وسارت قشعريرة في جسدي عندما تذكرته ثانية ( حلم اليقظة ) وتساءلت: كيف سيكون حال الأغنيات في المستقبل وماذا سيكون موقفنا معها ؟ !!!!!
تـألـيـف / مــحــمـد حــــســن عـبـد الجــابــر

0 Comments:
<< Home